الأرض.. الحكاية الكاملة (٣-٣)

نهاية الحياة.. حين تطوي الأرض آخر صفحات الحكاية

منذ 28 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

لكل حكاية بداية، ولكل رحلة نهاية، والأرض ليست استثناءً من هذه السنة الكونية.
فمنذ أن بدأ الإنسان يقرأ صفحات تاريخها، ظل سؤال البداية يشغله طويلا ً، لكنه لم يلبث أن اكتشف أن سؤال النهاية لا يقل أهمية، بل ربما كان أكثر تأثيرا ً؛ لأن بدايات الأشياء تمنحنا المعرفة، أما نهاياتها فتمنحنا الحكمة.
لقد استطاع الإنسان أن يقترب كثيرا ً من فهم الماضي، وأن يعيد رسم ملامح عصور لم يشهدها، لكنه حين ينظر إلى المستقبل يدرك أن قدرته على التنبؤ ليست يقينًا، بل قراءة تستند إلى ما يعرفه اليوم من قوانين الكون. ولذلك يبقى من الأمانة أن نفرق بين ما يخبرنا به الوحي يقينا ً، وبين ما يتوقعه العلم استنادا ً إلى المعطيات المتاحة.
ويخبرنا القرآن الكريم أن لهذه الأرض نهاية، وأن هذا الكون الذي نراه ثابتا ً ليس أبديا ً؛ فهو يتحدث عن يوم تتغير فيه السماوات والأرض، وتتكور الشمس، وتنتثر النجوم، وتنسف الجبال، ويُطوى العالم الذي عرفه الإنسان، لتبدأ مرحلة أخرى تختلف في طبيعتها وقوانينها عن عالمنا المادي .. إنها ليست نهاية الوجود، بل نهاية مرحلة من الوجود، وبداية مرحلة أخرى.
أما العلم، فيتناول السؤال من زاوية مختلفة؛ فهو يدرس عمر الشمس، ومستقبلها، وطبيعة النجوم، ويستنتج أن الأرض لن تبقى صالحة للحياة إلى الأبد. وتختلف السيناريوهات العلمية في التفاصيل؛ فمنها ما يتحدث عن تمدد الشمس بعد مليارات السنين، ومنها ما يناقش تغيرات كونية بعيدة المدى، لكنها جميعًا تلتقي عند حقيقة واحدة: أن الحياة على الأرض ليست أبدية.
وهنا يلتقي العلم والوحي عند نقطة لافتة؛ فكلاهما يؤكد أن لهذه الأرض نهاية، وإن اختلفت أدوات الوصول إلى هذه النتيجة، واختلفت طبيعة الأسئلة التي يجيب عنها كل منهما. فالوحي يحدثنا عن الغاية والمعنى، بينما يحاول العلم أن يفسر الآليات والسنن الكونية التي تحكم العالم المادي.
غير أن السؤال الأعمق ليس:
متى تنتهي الأرض؟
بل: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش وهو يعلم أنها ستنتهي؟
إن الحضارات التي ظنت أنها باقية زالت، والإمبراطوريات التي تصورت أنها خالدة أصبحت صفحات في كتب التاريخ، وحتى الأرض نفسها، بكل ما عليها من جبال وبحار ومدن وحدود، ليست إلا محطة في رحلة أكبر. ومن يدرك هذه الحقيقة تتغير نظرته إلى القوة، وإلى المال، وإلى الصراع، وإلى الزمن نفسه.

إن الإنسان لا يقاس بما يملكه في رحلة مؤقتة، بل بما يتركه من أثر قبل أن يغادرها .. فالأعمار قصيرة، والأمم تتعاقب، والأرض نفسها تمضي نحو موعد كتبه الله لها، ويبقى العمل الصالح، والعلم النافع، والقيم التي ترفع من شأن الإنسان، هي الأشياء التي تتجاوز حدود الزمن.

لقد بدأت هذه الثلاثية بسؤال: ماذا كان على الأرض قبل الإنسان؟
ثم انتقلت إلى سؤال آخر:
كيف قرأ الإنسان الحكاية بعد أن جاء؟ وها هي تنتهي بالسؤال الذي يجمع كل ما سبق:
ماذا تعني هذه الحكاية كلها؟
إنها تعني أن الإنسان ليس سيد الكون، بل شاهد عليه؛ وليس مالك الأرض، بل مستخلف فيها؛ وليس خالدا ً فيها، بل عابر سبيل يترك خلفه أثرا ًحسنا ًأو أثراً سيئاً وكلما اتسعت معارفه، ازداد يقينا ً بأن أعظم ما يملكه ليس القدرة على السيطرة، بل القدرة على الفهم، وعلى الاختيار، وعلى تحمل مسؤولية هذا الاختيار.

ولعل أعظم درس تمنحه لنا الأرض هو أنها لم تكن يوما ً مسرحا ً للخلود، بل مدرسة للعبور .. فمن فهم رسالتها، عاش عمره وهو يبني ولا يغتر، ويعمل ولا يفسد، ويأمل دون أن ينسى أن لكل صفحة نهاية، وأن الحكاية الحقيقية لا تنتهي عند آخر صفحة من صفحات الأرض، بل تبدأ بعدها.

وبذلك تكتمل «الأرض ؛؛؛ الحكاية الكاملة»؛ رحلة بدأت من أولى صفحات هذا الكوكب، ومرت بالإنسان وهو يحاول أن يفهمها، وانتهت عند الحقيقة التي تذكرنا جميعا ً بأن قيمة الرحلة ليست في طولها، بل في حسن السير فيها.

الاخبار العاجلة