اتفاق مكة.. ومصالح أمريكا

منذ 60 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: اللواء مصطفى زكريا

ليست كل التحالفات التي لا ترحب بها القوى الكبرى بالضرورة ضد مصالحها، وأحيانا ً تفرض الأحداث على الدول أن تقبل ما لم تكن لتختاره، لأنها تكتشف أن البديل أصبح أكثر كلفة.

من هنا ربما ينبغي قراءة اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، بعيدا ً قليلا ً عن نصوص الاتفاق وأسماء الموقعين عليه، وأقرب إلى اللحظة التي وُلد فيها، وما سبقها من حرب أعادت اختبار كثير من المسلمات التي استقر عليها أمن المنطقة لعقود.

الاتفاق في ظاهره واضح؛ ثلاث دول تمتلك عناصر قوة مختلفة ومتكاملة. السعودية بثقلها الاقتصادي والسياسي وموقعها في قلب الخليج، وتركيا بجيشها الكبير وصناعتها الدفاعية وخبرتها العسكرية، وباكستان بجيشها وقدرتها النووية. والأكثر إثارة أن الدول الثلاث لا يجمعها عدو واحد؛ فلكل منها حساباتها ودوائر تهديدها المختلفة، لكن ما جمعها ربما كان أكبر من الاتفاق على عدو؛ الحاجة إلى ألا يجد أي منها نفسه وحيداً عندما يأتي الخطر.

لكن السؤال الأكثر أهمية ليس لماذا وقعت الدول الثلاث الاتفاق، وإنما لماذا تركته الولايات المتحدة يمضي؟
فواشنطن بنت طوال عقود جزءا ً كبيرا ً من أمن الخليج حول وجودها العسكري وقواعدها وأساطيلها ومنظومات دفاعها المتقدمة، وكان من الطبيعي أن تنظر بحذر إلى ظهور مظلة أمنية إقليمية تمنح حلفاءها قدرا ً أكبر من الاستقلال عنها.

لكن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران غيّرت شيئا ً جوهريا ً في هذه المعادلة.
فالمظلة التي كانت تحمي أصبحت هي الأخرى بحاجة إلى الحماية. القواعد والقوات الأمريكية نفسها دخلت دائرة الاستهداف الإيراني، واختبرت الصواريخ والمسيّرات منظومات الدفاع التي طالما ارتبط بها الشعور بالأمان في الخليج.
ولم تكشف الحرب أن أمريكا لم تعد قوية؛ فذلك استنتاج لا تسنده موازين القوة .. لكنها كشفت شيئا ً أكثر دقة وأهمية:
أن القوة، مهما بلغت، لا تعني القدرة المطلقة على منع الخصم من إيذائك.
فالصاروخ الذي يخترق منظومة دفاعية لا يصيب هدفا ً على الأرض فقط؛ فقد يصيب أيضا ً فكرة ظلت مستقرة لعقود.
والفكرة التي أصيبت هنا هي الاعتقاد بأن مظلة واحدة، مهما بلغت قوتها، تستطيع وحدها ضمان أمن منطقة بهذا الاتساع والتعقيد.

ومن هذه الزاوية يصبح ترك واشنطن لاتفاق مكة يمضي أكثر قابلية للفهم. فالاتفاق ربما ليس على هواها؛ لأنه يؤسس لقدر أكبر من الاستقلال الأمني الإقليمي بعيدا ً عن احتكارها التقليدي لدور الضامن، لكنه في الوقت نفسه قد يكون في مصلحتها؛ لأنه يوزع عبء الحماية، ويضيف قدرات إقليمية إلى الدفاع عن منطقة أصبحت القوات والقواعد الأمريكية الموجودة فيها هي نفسها أهدافا ً محتملة.

فالولايات المتحدة قد تريد الاحتفاظ بنفوذ المظلة، لكنها لم تعد بالضرورة راغبة في أن تتحمل وحدها تكلفة حملها.
وربما لم يكن اتفاق مكة هو ما تريده الولايات المتحدة، لكنه قد يكون بعض ما تحتاج إليه.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا غابت مصر؟

أتصور أن الإجابة تبدأ من القاهرة نفسها. فمصر تحرص على أن يبقى قرارها العسكري مرتبطا ً مباشرة ً بأمنها القومي، ولا يبدو من السهل أن تقبل التزاما ً دفاعيا ً تلقائياً قد يجعلها طرفا ً في صراع بدأ بعيدا ً عن مصالحها المباشرة. وهي في الوقت نفسه؛ تحافظ على علاقات تسمح لها بالحركة والتواصل مع أطراف تختلف فيما بينها، ولا مصلحة لها في أن تتحول من دولة تملك مساحة للوساطة إلى طرف ملزم في كل مواجهة يخوضها أحد شركائها.

لكن هذا من وجهة نظري، لا يفسر وحده غياب مصر.

فوجودها كان سيغير طبيعة الاتفاق ووزنه معا ً. مصر ليست مجرد قوة عسكرية تضاف إلى السعودية وتركيا وباكستان؛ فموقعها يجعل وجودها في أي تحالف دفاعي جزءا ً من معادلة الأمن في شرق المتوسط والبحر الأحمر، ويجعل أثر القوة التي يجمعها هذا التحالف يمتد تلقائيا ً إلى ميزان القوى مع إسرائيل.
وهنا تدخل واشنطن مرة أخرى إلى الصورة.
فالولايات المتحدة قد تجد مصلحتها في اتفاق يضيف إلى أمن المنطقة قوة جديدة، ويخفف العبء عن قواعدها وقواتها، لكنها ستنظر بصورة مختلفة إلى الاتفاق نفسه إذا كان وجود مصر داخله سيؤثر في ميزان القوى مع إسرائيل. فالحفاظ على التفوق العسكري الإسرائيلي ظل واحدا ً من ثوابت السياسة الأمريكية في المنطقة، ومن الصعب تصور أن يغيب هذا الاعتبار عن حساباتها تجاه تحالف بهذا الحجم.

ومن هنا يصبح غياب مصر أكثر من مجرد مقعد خالٍ في اتفاق ثلاثي؛ فقد يكون أحد الأسباب التي جعلت الاتفاق نفسه ممكنا ً بالصورة التي خرج بها.
وقد يكون غياب مصر لهذا السبب، أكثر دلالة من حضور الدول الثلاث نفسها.

وربما هنا تكمن الدلالة الأبعد لاتفاق مكة. فالمنطقة بدأت تبحث عن أمنها خارج فكرة المظلة الواحدة، بينما تحاول الولايات المتحدة التكيف مع هذا التحول؛ فتقبل منه ما يخفف عنها عبء الحماية، وتتحسب لما قد يغيّر موازين القوة التي حرصت طويلا ً على بقائها.
ولعلنا لا نشهد فقط ميلاد اتفاق دفاعي جديد، وإنما بداية تغير أعمق في مفهوم الأمن الإقليمي نفسه؛ حيث لم يعد السؤال فقط:
من يحمينا؟
بل أصبح أيضا ً:
كم مظلة نحتاج، ومن يحمي أصحاب المظلات أنفسهم؟
فربما لم يعد أمن الدول في العالم الذي يتشكل من حولنا قائما ً على البحث عن المظلة الأقوى، بقدر ما أصبح قائما ً على ألا تضع دولة أمنها كله تحت مظلة واحدة.

الاخبار العاجلة