
بقلم: مصطفى زكريا
قد يعيش الإنسان اليوم داخل حلم الأمس، ومع ذلك يشعر أنه لم يصل بعد .. فما كان يتمناه يوما ً، وينتظر حدوثه، وربما ظن أن تحققه سيغير الكثير في حياته، قد يصبح بعد أن يتحقق جزءًا مألوفًا ً من واقعه، حتى يكاد ينسى أنه كان في يوم من الأيام أمنية بعيدة.
وهنا لا تكمن المشكلة في أن الإنسان يطمح إلى المزيد، فالطموح بطبيعته يدفعنا إلى تجاوز ما بلغناه والبحث عما هو أفضل، وإنما المشكلة في أن تنتقل أعيننا إلى المحطة التالية قبل أن ندرك أننا وصلنا إلى المحطة التي سبقتها .. عندئذ ٍ لا نفقد ما حققناه، وإنما نفقد شيئا ً آخر لا يقل عنه أهمية؛ الإحساس بقيمة ما حققناه.
فنحن نتذكر عادة ما لم نصل إليه أكثر مما نتذكر ما وصلنا إليه، ونحصي الأشياء التي تنقصنا بدقة أكبر من الأشياء التي أصبحت بين أيدينا، وربما لو عاد كل منا بذاكرته سنوات قليلة إلى الوراء، وتذكر ما كان يتمناه آنذاك، لاكتشف أن جزءا ً مما يعيشه اليوم كان يوما ً من بين أحلامه.
ولعل حياتنا أشبه برحلة قطار طويلة؛ لها محطة انطلاق، وبين بدايتها ونهايتها محطات نتوقف عند بعضها ثم نواصل السير، ومحطات نصل إليها بعدما كانت يوما ً غايات نسعى إليها، فإذا بها تصبح نقاط انطلاق إلى ما بعدها. وقد نصل أثناء الرحلة إلى مفترق طرق يفرض علينا أن نغير المسار؛ فنختار نحن أحيانا ً طريقا ً جديدا ً، وتفرض علينا الظروف أحيانا ً أخرى طريقا ً لم يكن ضمن اختياراتنا. وفي الحالتين تستمر الرحلة، لكن وجهتها التالية قد تتغير عما تصورناه عند بدايتها.
وهكذا لا تسير الحياة دائما ً على خط واحد، ولا يكون كل توقف نهاية، ولا كل وصول نهاية الرحلة؛ فقد تكون محطة الوصول نفسها بداية لطريق جديد.
ومن لا يدرك وصوله إلى محطة، سيقضي حياته كلها مسافرا ً، حتى وإن بلغ أكثر مما كان يحلم به.
وإدراك الوصول لا يعني التوقف عنده؛ فبين الوصول والتوقف فارق كبير؛ تستطيع أن تبلغ محطة، وتدرك أنك بلغتها، وتمنح نفسك حق الفرح بما حققت، ثم تبدأ منها إلى محطة أخرى. فالطموح الحقيقي لا يحتاج إلى إنكار الإنجاز السابق حتى يبرر السعي إلى إنجاز جديد.
لكننا قد نفقد الإحساس بهذه المحطات عندما نقيس أنفسنا بما وصل إليه الآخرون، بدلا ً من أن نقيس ما أصبحنا عليه بما كنا عليه نحن .. فكلما حققنا شيئا ً وجدنا من حقق أكثر، وكلما تقدمنا وجدنا من سبقنا، فإذا جعلنا مواقع الآخرين هي المقياس الوحيد لإنجازنا، فلن تكون هناك محطة نستطيع عندها أن نشعر بأننا وصلنا.
والأعدل أن يقارن الإنسان نفسه بنفسه؛ أين كان، وأين أصبح؟ ماذا كان يتمنى، وماذا تحقق؟ وما الذي لم يكن يملكه ثم أصبح بين يديه؟
فقد يكون أمامه الكثير، لكن ذلك لا يلغي أنه قطع الكثير أيضًا.
وربما تكون المشكلة الأعمق أن الإنسان سريع التكيف مع ما يحققه؛ فما إن يصبح الحلم حقيقة حتى يعتاد وجوده، ثم يبدأ حلم آخر في احتلال مساحة التفكير نفسها. وهكذا قد تتوالى الإنجازات بينما يظل الشعور الداخلي ثابتا ً: ما زال هناك شيء ناقص، وما زلت لم أصل.
وهنا يصبح الفرق كبيرا ً بين إنسان ينطلق إلى هدف جديد من إحساس بأنه أنجز، وآخر ينطلق إليه هربا ً من إحساس دائم بأنه لم ينجز شيئا ً.. كلاهما يواصل الرحلة، لكن الأول يحمل معه قيمة ما حققه، بينما يترك الثاني إنجازاته خلفه، وكأنها لم تكن.
لذلك نحتاج من وقت إلى آخر إلى أن نتوقف في إحدى محطات الحياة، لا لكي ننهي الرحلة، وإنما لكي نلتفت إلى الطريق الذي قطعناه، ونرى ما أصبح جزءا ً من حياتنا بعدما كان يوما ً مجرد أمنية، ثم نواصل السير إذا كان أمامنا ما يستحق السعي.
فالإنجاز لا تكتمل قيمته بمجرد حدوثه؛ تكتمل أيضا ً حين ندركه، ونمنحه مكانه المستحق في حياتنا، دون أن نجعله نهاية لطموحنا، أو نمحوه بطموح جديد.
فمن لا يعرف متى وصل، لن يعرف قيمة ما حقق، ولا ما يريد أن يحقق مجددا ً.
