
بقلم: مصطفى زكريا
بعض الأشياء العظيمة لا تُروَّض بالقوة، ولا تُمتلك بالإجبار، وإنما تمنحك أفضل ما فيها حين تثق بك. وربما كانت هذه هي الفكرة الأعمق التي يتركها فيلم «الحصان الأسود» The Black Stallion في النفس، رغم أنه لا يقولها صراحة، ولا يحتاج أصلًا إلى أن يقولها.
فالفيلم، الذي أُنتج عام 1979، يبدو في ظاهره حكاية صبي وحصان جمعتهما المصادفة بعد كارثة في البحر، لكن ما ينشأ بينهما يتجاوز كثيرًا قصة النجاة أو الصداقة بين طفل وحيوان. إنها حكاية عن الثقة، والحرية، واكتشاف القوة الكامنة في الآخر دون محاولة كسرها أو إخضاعها.
حين يجد أليك نفسه على الجزيرة مع الحصان الأسود، لا توجد بينهما لغة مشتركة، ولا يستطيع الصبي أن يأمر الحصان فيطيعه، ولا يعرف الحصان شيئًا عن نوايا الصبي. كلاهما يخشى الآخر في البداية، وكلاهما يحتاج إليه. ومن هنا تبدأ العلاقة الحقيقية: خطوة صغيرة من أحدهما، يقابلها اقتراب حذر من الآخر، حتى يتحول الخوف تدريجيًا إلى اطمئنان، ثم إلى ثقة.
والجميل أن أليك لم ينتصر على الحصان، ولم «يكسره» حتى يخضع له، كما تفعل بعض أساليب الترويض التقليدية. لقد فعل العكس تقريبًا؛ ترك له حريته، واقترب منه بالقدر الذي يسمح به الحصان نفسه، حتى جاءت اللحظة التي اختار فيها الحصان أن يمنحه ثقته. وعندها فقط ظهرت القوة الحقيقية الكامنة في كليهما.
وهنا ينتقل الفيلم، في تقديري، من قصة جميلة إلى معنى إنساني أوسع. فنحن كثيرًا ما نحاول الحصول على أفضل ما لدى الآخرين بالضغط عليهم، أو السيطرة عليهم، أو فرض إرادتنا عليهم، بينما قد يكون الطريق الأقصر هو أن نوفر لهم الأمان والثقة والاحترام. فالإنسان، مثل ذلك الحصان الحر، قد تستطيع أن تجبره على أداء شيء، لكنك لا تستطيع أن تجبره على أن يمنحك أفضل ما لديه.
ثم تأتي المرحلة الثانية من الفيلم، حين يدخل المدرب هنري ديلي إلى حياة أليك والحصان. وهنا يصبح التدريب ضروريًا، لكن الفارق أن التدريب لا يبدأ بمحاولة هدم العلاقة التي نشأت بينهما، وإنما بالبناء عليها. القوة موجودة بالفعل، والسرعة موجودة، والإرادة موجودة؛ وما يحتاج إليه الجميع هو أن تتجه هذه العناصر في مسار واحد.
ولعل أحد أجمل ما في الفيلم أنه لا يشرح لنا كل ذلك بالكلمات. فمساحات طويلة منه تمر بقليل جدًا من الحوار، خصوصًا في الجزء الذي يجمع الصبي والحصان على الجزيرة. الصورة والحركة والنظرة والاقتراب والابتعاد تفعل ما كان يمكن لعشرات الجمل أن تعجز عن فعله. وهنا تصبح طريقة صنع الفيلم جزءًا من رسالته نفسها: قد يكون الفعل أبلغ من الكلام.
فالطفل لم يقل للحصان: ثق بي. والحصان بالطبع لم يقل للطفل: لقد وثقت بك. لكننا نرى الثقة وهي تولد أمامنا. وهذا ربما أحد أسرار بقاء الفيلم في الذاكرة؛ إنه لا يشرح المشاعر بقدر ما يجعلنا نراها ونشعر بها.
وعندما يتحول الحصان في النهاية إلى بطل للسباق، قد يبدو للوهلة الأولى أن الانتصار هو غاية الحكاية، بينما أراه نتيجة لها وليس معناها. فالفوز لم يصنع العلاقة بين الصبي والحصان؛ العلاقة هي التي صنعت إمكانية الفوز. ولم تكن السرعة وحدها هي التي أوصلتهما إلى النهاية، وإنما الثقة التي بدأت على جزيرة نائية، حين لم يكن هناك جمهور ولا سباق ولا جائزة.
لهذا ربما لا يكون «الحصان الأسود» فيلمًا عن الخيول بقدر ما هو فيلم عن الإنسان؛ عن الطريقة التي نقترب بها ممن حولنا، وعن الفرق بين أن تفرض الطاعة وأن تكسب الثقة، وبين أن تمتلك القوة وأن تعرف كيف تطلق أفضل ما فيها.
وقد تكون رسالته الأبسط والأبقى أن بعض القلوب، مثل بعض القوى الجامحة، لا تُفتح بالأوامر ولا تستجيب للقهر. اترك لها مساحة من الحرية، وامنحها الأمان، وأثبت لها بالفعل قبل الكلام أنك جدير بثقتها؛ وعندها قد تمنحك بإرادتها ما لم يكن في استطاعتك أن تنتزعه منها بالقوة.
