
بقلم: مصطفى زكريا
هناك كلمات نكتبها أحيانا ً ونحن نعرف منذ البداية إلى من نوجهها .. وكلمات أخرى نتركها طليقة، لعل كل إنسان يضع نفسه أمامها، فإن وجد فيها شيئا ً منه عرف أن الرسالة قد وصلت.
أما كلمات اليوم، فأطلقها في وجه النفاق والمنافقين.
أولئك الذين أتقنوا فن الوقوف دائما ً في المكان الرابح، فلا موقف يثبتون عليه، ولا رأي يدافعون عنه، ولا حقيقة يقولونها إذا كانت الحقيقة قد تكلفهم شيئا ً بوصلتهم الوحيدة هي المصلحة، وعقيدتهم الدائمة أن يكونوا قريبين ممن يملك السلطة أو النفوذ أو المال.
إنهم من فصيلة «عاش الملك .. مات الملك».
يصفقون لمن يأتي كما صفقوا لمن سبقه، ويمدحون القرار ثم يمدحون نقيضه إذا تغير صاحبه، ويكتشفون في كل مسؤول جديد من العبقرية والحكمة ما كانوا قد اكتشفوه بالأمس في سلفه، لا يزعجهم تناقضهم، لأنهم ببساطة لا يتذكرون مواقفهم، وإنما يتذكرون مصالحهم.
والمشكلة في النفاق ليست أخلاقية فقط، فالمنافق حين يقترب من صاحب القرار يصبح خطرا ً عليه قبل أن يكون خطرا ً على الآخرين.
إنه يحجب عنه الحقيقة، ويصور له الخطأ صوابا ً، والتقصير نجاحا ً، والغضب الشعبي رضا، والفشل إنجازا ً يستحق الاحتفال .. وكلما ازداد عدد المصفقين حول المسؤول، ازدادت المسافة بينه وبين الواقع، حتى قد يأتي يوم يكتشف فيه أن الصورة الجميلة التي صنعوها له لم تكن سوى مرآة مزيفة.
ولهذا كان الصادق، حتى حين يكون مزعجا ً، أكثر نفعاً من ألف مصفق.
فالذي يقول لك إنك أخطأت ربما يحميك، والذي يخبرك أن كل شيء على ما يرام بينما يرى الخطر يقترب منك قد يكون شريكا ً في سقوطك .. والمخلص الحقيقي ليس من يوافقك دائماً، وإنما من يمتلك شجاعة الاختلاف معك عندما يرى أنك تسير في الطريق الخطأ.
أما المنافق، فقد يبدو للوهلة الأولى رابحا ً .. فهو يحصل على مال، أو منصب، أو امتياز، أو شهرة، أو مقعد قريب من أصحاب النفوذ .. وقد يتقدم أحيانا ً على أصحاب الكفاءة والمبادئ لأن التصفيق في بعض البيئات أسرع طريق إلى الأبواب المغلقة.
لكنه في مقابل ذلك يدفع ثمنا ً أكبر مما حصل عليه؛ فهو يخسر نفسه، ويفقد احترام الآخرين، وربما يفقد في أعماقه احترامه لذاته. والأكثر قسوة أن الشخص الذي يستمتع بتصفيقه اليوم يعرف، ولو لم يعترف بذلك، أن هذا الرجل نفسه قادر على أن يصفق غدا ً لغيره، وأن يهتف للقادم بالحماسة ذاتها التي يهتف بها له الآن.
وهنا تكمن المفارقة: المنافق قد يكون مطلوبا ً، لكنه نادرا ً ما يكون محترما ً.
ولعل خطورة النفاق هي ما جعل القرآن الكريم يستخدم في شأن المنافقين تعبيرا ً بالغ الشدة:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
وإذا كان للنفاق في سياقه القرآني معناه العقدي المحدد، فإن الآية تظل تذكرنا بفداحة أن يظهر الإنسان غير ما يبطن، وأن يجعل كلماته ومواقفه سلعة تتغير بتغير المصلحة.
إن المجتمعات لا تنهض بكثرة المصفقين، والدول لا تحميها أصوات المهللين، والمسؤول لا يخدمه من يخفي عنه عيوب قراراته؛ بل إن أعظم خدمة يمكن أن يقدمها إنسان لوطنه أو لمسؤول أو مؤسسة هي كلمة صادقة تُقال في وقتها، حتى وإن كانت ثقيلة على الأذن.
فاحذروا من الذين يصفقون لكم في جميع الأحوال؛ لأن من يصفق للنجاح والفشل معا ً لا يعنيه نجاحكم ولا فشلكم.
إنه فقط ينتظر ثمن التصفيق.
