وانكشفت عورات إعلام “التوك شو”

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

لم يعد الأمر يحتمل المجاملة، ولم تعد المشكلة مجرد أخطاء عابرة يمكن تجاوزها، أو زلات لسان يقع فيها مذيع على الهواء، أو تفاوت طبيعي في قدرات مقدمي البرامج.
ما يحدث على شاشات التوك شو المصرية تجاوز منذ وقت طويل حدود الضعف المهني، حتى أصبح مشهدا ً يستحق أن نتوقف أمامه ونسأل: كيف وصل الإعلام المصري إلى هنا؟
لقد سقطت أوراق التوت ؛ حين أصبح امتلاك الميكروفون بديلا ً عن امتلاك المعرفة، والجلوس أمام الكاميرا تصريحا ً مفتوحا ً للحديث في السياسة والاقتصاد والحرب والطب والقانون والدين والعلاقات الدولية، وكأن مقدم البرنامج قد جمع علوم الأرض كلها بمجرد أن أضاءت أمامه الكاميرا.
والمشكلة ليست أن الإعلامي لا يعرف كل شيء؛ فلا أحد يعرف كل شيء، ولا يُطلب منه ذلك. المشكلة تبدأ عندما لا يعرف، ثم يتحدث كما لو كان يعرف، ويقاطع من يعرف، ثم يقدم رأيه للمشاهد باعتباره أقرب إلى الحقيقة من رأي المتخصص.
يأتي الخبير إلى الاستوديو لأنه خبير، ثم يكتشف أنه مطالب بالاستماع إلى محاضرة من المذيع !
يُطرح السؤال، وما إن يبدأ الضيف في الإجابة حتى تأتي المقاطعة، ثم مقاطعة المقاطعة، ثم يبدأ مقدم البرنامج في شرح القضية للخبير الذي استُضيف أصلا ً لكي يشرحها لنا .. وفي أحيان أخرى يوافق المذيع ضيفه على ما يقول بطريقة توحي وكأن الخبير كان ينتظر شهادة اعتماد منه حتى تصبح المعلومة صحيحة!
أي عبث مهني هذا؟
لقد اختلطت الأدوار إلى درجة أصبح معها بعض مقدمي التوك شو يتحدثون وكأنهم مسؤولون في الدولة، ويصدرون الأحكام وكأنهم قضاة، ويحللون العمليات العسكرية وكأنهم قادة غرف عمليات، ويفسرون حركة الأسواق وكأنهم خبراء اقتصاد، ويناقشون العلاقات الدولية وكأن ملفات الخارجية مفتوحة أمامهم على الطاولة.

وعندما يتكرر هذا المشهد كل ليلة تقريبا ً وعلى أكثر من شاشة، وبالعيوب نفسها، تسقط حجة أننا أمام أخطاء أفراد .. نحن أمام خلل في منظومة كاملة.
فأين رؤساء التحرير؟
وأين المشرفون على البرامج؟ وأين إدارات القنوات؟
وأين التدريب والتقييم والمحاسبة؟
ومن الذي أقنع مقدم البرنامج بأن نجاحه يقاس بعدد الدقائق التي يتحدث فيها، لا بعدد الأسئلة الذكية التي يطرحها؟ ومن أقنعه بأن صوته أهم من ضيفه، وأن المشاهد ينتظر رأيه الشخصي في كل قضية؟

الإعلامي الكبير لا يحتاج إلى ادعاء المعرفة، لأن جزءا ً من مهنيته أن يعرف حدود معرفته. وقيمة المذيع ليست في أن يثبت للمشاهد أنه يفهم أكثر من ضيفه، وإنما في أن يمتلك من الثقافة والذكاء ما يجعله يسأل السؤال الذي يدفع ضيفه إلى تقديم أفضل ما لديه.
أما أن نستضيف عالما ً ثم نقاطعه، وخبيرا ً ثم نلقنه، ومتخصصا ً ثم نصحح له تخصصه، فهذه ليست قوة شخصية ولا حضورا ً إعلاميا ً.. إنها استهانة بالمهنة وبالضيف وبعقل المشاهد.
لكن المسؤولية لا تتوقف عند أبواب الاستوديوهات.
فأين الحكومة من خلال وزارتها المختصة وأجهزتها المعنية؟ وأين المؤسسات التي منحها القانون سلطة تنظيم الإعلام ومتابعة أدائه وضمان التزام مؤسساته بمعايير المهنة وأخلاقياتها؟
هل دور هذه الجهات أن تشاهد معنا ما نشاهده كل ليلة، أم أن عليها مسؤولية حين يتحول الضعف المهني من حالات فردية إلى ظاهرة تكاد تصبح سمة عامة؟
في حين أن القانون نفسه يضع على المؤسسات الإعلامية والإعلاميين التزامات مهنية، ويمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام اختصاصات في هذا المجال.
إن وجود أجهزة للتنظيم والمتابعة دون أثر واضح يلمسه المواطن يطرح سؤالا ً لا يقل خطورة عن تراجع أداء مقدمي البرامج أنفسهم: من يحاسب من يملك سلطة المحاسبة حين يستمر الخلل؟
وأين الأحزاب السياسية، ليس ببياناتها وتصريحات قياداتها، وإنما من خلال هيئاتها البرلمانية في مجلسي النواب والشيوخ؟ أين الأسئلة وطلبات الإحاطة والمناقشات العامة التي تضع الحكومة والجهات المعنية أمام مسؤولياتها؟
وإذا لم يكن العبث بوعي المواطن، وتراجع مستوى إحدى أهم أدوات القوة الناعمة للدولة، وتشويه صورة الإعلام المصري قضايا تستحق أن يتحرك من أجلها البرلمان، فما القضايا التي تستحق؟
فالإعلام ليس ملكا ً لمن يظهر على شاشته، ولا لمن يدير قناته. إنه إحدى أدوات القوة الناعمة للدولة، وواجهة من واجهات المجتمع، ومصدر من مصادر تشكيل الوعي العام .. وحين يهبط مستواه، لا يسيء إلى صاحبه وحده، وإنما يسيء إلى صورة بلد كامل كان إعلامه يوما ً مدرسة ً لمن حوله.
نحن لا نطلب إعلاما ً يردد ما نحب أن نسمعه، ولا إعلاما ً يخشى السؤال أو الاختلاف، وإنما نطلب إعلاما ً يحترم عقل من يشاهده، ويحترم قواعد المهنة، ويحترم الدولة التي يعمل في فضائها، ويحترم مصر وتاريخ إعلامها.
فالقضية لم تعد قضية مذيع سيئ الأداء، ولا برنامج ضعيف المستوى، ولا حتى برنامج يتباهى بارتفاع نسب مشاهدته؛ فنسب المشاهدة وحدها لم تكن يوما ً شهادة جودة أو دليلا ً على المهنية. كما لا يجوز أن يصبح معيار الاستمرار هو المبالغة في المدح والإشادة، بمناسبة وبدون مناسبة، أو تحويل كل قضية إلى مناسبة للثناء، حتى وإن وصل الأمر إلى الرقص على مشاعر المواطن ومعاناته.
فالإعلام الذي يفقد إحساسه بالناس، مهما ارتفعت نسب مشاهدته ومهما علا صوته، يكون قد فقد أهم مبررات وجوده: أن يرى المواطن نفسه وهمومه وحقيقة ما يعيشه على الشاشة، لا أن يرى عالما ً آخر لا يشبه حياته.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه، ولا يجوز أن يظل بلا إجابة:
لماذا لم تتخذ الحكومة من خلال وزارتها المختصة وأجهزتها وهيئاتها المعنية، حتى الآن قرارات وإجراءات حاسمة لترشيد المشهد الإعلامي وتصحيح مساره، خاصة بعد التوجيهات الواضحة والمتكررة من رئيس الجمهورية بضرورة تطوير الإعلام المصري ورفع كفاءته؟ ففي يوليو 2026 تحديدا ً جرت متابعة حكومية لتنفيذ التكليفات الرئاسية بشأن الإعلام، ثم عُقد اجتماع آخر ضم وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية، وتبع ذلك توجيه رئاسي جديد بضرورة التنسيق بين جهات الدولة المعنية لتطوير الإعلام المصري.

ثم يأتي السؤال الأهم والأكثر مباشرة:
ماذا قدم ضياء رشوان منذ تعيينه وزيرا ً للدولة للإعلام؟
نعلم أن وزارة الدولة للإعلام ليست جهة تنفيذية مباشرة؛ وقد أوضح الوزير نفسه أن الأدوار التنفيذية موزعة بين الهيئتين الوطنيتين للصحافة والإعلام، بينما يختص المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالتنظيم والمتابعة وتطبيق القوانين. لكن الوزير لم يُعيّن لكي يشاهد المشهد من بعيد؛ وإنما لكي يكون له دور، ولكي ينسق ويدفع ويقترح، ويضع أمام الحكومة حقيقة ما يجري على الشاشات.
فأين الأثر الذي شعر به المواطن؟
وأين التغيير الذي انعكس على مستوى الأداء؟
وأين النتائج التي يمكن أن يلمسها المشاهد على الشاشة حتى الآن؟
إننا لا نسأل رغبةً في الهجوم على شخص، ولا بحثا ً عن خصومة مع أحد، وإنما لأن الإعلام أخطر من أن يُترك لهذا القدر من الارتجال، ووعي المصريين أغلى من أن يصبح ساحة للتجربة، وصورة مصر أكبر من أن يدفع ثمنها أداء إعلامي لم يعد يليق بها.

الاخبار العاجلة