في غزة.. التهريج علاج للأطفال من صدمات الحرب

21 ديسمبر 2025آخر تحديث :
في غزة.. التهريج علاج للأطفال من صدمات الحرب
غزة:

>> الضحك والترفيه.. نوع آخر من المقاومة

>> المهرج أحمد أبو سكر يدخل البهجة على قلوب الأطفال لتخفيف الآثار النفسية التي خلفتها حرب الإبادة الإسرائيلية

 

 

 

 

 

فوق ركام منازل مدمّرة، وفي أحياء تحولت إلى كتل إسمنتية صمّاء، يقف أحمد أبوسكر مرتديًا زيّ المهرج، محاطًا بأطفال بعيون متعبة وملابس بالية، يضحكون للحظات قصيرة، قبل أن تعود ملامح الخوف والذهول لتغزو وجوههم. في هذا المشهد القاسي، تبدو الضحكة فعل مقاومة، ويغدو الفرح المؤقت وسيلة للبقاء على قيد الحياة نفسيًا، في قطاع أنهكته الحرب وفقد فيه الأطفال أبسط حقوقهم.

المهرج أحمد أبوسكر (28 عامًا) يواصل إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال في قطاع غزة، متحديًا وجع فقدان عائلته، في محاولة لتخفيف الآثار النفسية العميقة التي خلّفتها حرب الإبادة الإسرائيلية على أصغر ضحاياها. فقد أبو سكر والده وشقيقته وأبناء شقيقته ومنزله، لكن الألم لم يطفئ رغبته في رسم الابتسامة، بل حوّلها إلى رسالة شخصية، كأن إسعاد الأطفال بات وسيلته الوحيدة لمقاومة الانكسار الداخلي.

المهرج الفلسطيني أحمد أبو سكر

 

وقبل اندلاع الحرب، اختار أبوسكر – وهو قصير القامة، ما جعله قريبًا من عالم الأطفال – العمل في مجال تسلية الصغار وإدخال البهجة إلى قلوبهم في المناسبات والمدارس. ومع تصاعد القصف وانهيار مظاهر الحياة، لم يتخلَّ عن دوره، بل واصل عمله في ظروف أشد قسوة، مدركًا أن الأطفال اليوم لا يحتاجون فقط إلى الغذاء والمأوى، بل إلى الأمان النفسي، وإلى لحظة يشعرون فيها بأنهم ما زالوا أطفالًا.

في هذه المرة، يتنقل أبوسكر بين أزقة مخيم البريج الضيقة، حيث ما تزال آثار القصف واضحة على الجدران والشوارع، محاولًا صناعة مساحة صغيرة للفرح في مكان يندر فيه الإحساس بالأمان. يرقص، يلوّن الوجوه، يطلق النكات البسيطة، فيضحك الأطفال بعفوية، وتختفي، ولو مؤقتًا، صور الطائرات والركام من ذاكرتهم المثقلة بالخوف.

 

ويعيش أطفال غزة أوضاعًا إنسانية ونفسية بالغة القسوة، نتيجة فقدان المأوى، وتكرار النزوح، وحرمانهم من التعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن تعرّضهم اليومي لمشاهد الدمار والموت. كثير منهم فقد أحد الوالدين أو كليهما، فيما يعاني آخرون من أعراض الصدمة النفسية الحادة، مثل القلق، الكوابيس، التبول اللاإرادي، ونوبات الفزع.

في هذا السياق، يبرز دور المهرج بوصفه تدخلًا نفسيًا غير مباشر. فالضحك واللعب يساعدان الأطفال على تفريغ التوتر، ويمنحانهم شعورًا مؤقتًا بالسيطرة والأمان. وتؤكد دراسات نفسية أن اللعب التفاعلي يُعد وسيلة علاجية فعّالة للأطفال في مناطق النزاع، إذ يخفف من حدّة الصدمة، ويعيد بناء الثقة بالذات وبالآخرين.

ورغم أن قلبه امتلأ بالأحزان، لم يتخلَّ أبوسكر عن مهمته. يقول “عندما أُسعد الأطفال، أخرج أنا أيضًا من الحالة التي أعيشها، أفرح معهم، وكأنني أستعيد شيئًا من نفسي”. ويضيف “الأمر صعب، لكنني أحرص أن أكون أول من يرسم الابتسامة رغم الوجع”.

يعيش أبوسكر وحيدًا في منزله المتضرر، ويجد عزاءه في ضحكات الأطفال، مستعيدًا ذكريات أبناء شقيقته الذين فقدهم. ويصف شعور الفقد قائلًا “العائلة هي كل شيء في هذه الحياة، وعندما أدخل البيت ولا أجد أحدًا، أنتظر الصباح كي أخرج، لأنني لا أتحمّل الوحدة”.

ويشير إلى أنه استخرج أزياء المهرج من تحت أنقاض منزله المدمّر، مؤكدًا أن هذه الأشياء البسيطة قادرة على صنع فرق كبير. “هذه أزياء عادية جدًا، لكنها تسعد الأطفال. هم بحاجة إلى الضحك، وأنا أيضًا بحاجة إليه أكثر منهم”، يقول بابتسامة يختلط فيها الحزن بالأمل.

وفي ظل انهيار المنظومة الصحية في غزة، وغياب أي برامج دعم نفسي منتظمة للأطفال، تتحول مبادرات فردية مثل ما يقوم به أبوسكر إلى متنفس مؤقت يخفف من حدة الصدمة، ولو لساعات قليلة.

 

وبحسب وزارة الصحة في غزة، قتلت الحرب الإسرائيلية أكثر من 20 ألف طفل، فيما فقد أكثر من 56 ألفًا أحد والديهم أو كليهما، ليضافوا إلى جيل جديد من الأيتام الذين يعيشون مأساة مزدوجة بين الفقد والخوف.

وسط هذا الواقع القاسي، يبدو المهرج أحمد أبوسكر شاهدًا على الألم، لكنه أيضًا صانع أمل صغير، يؤمن بأن ضحكة طفل قد لا توقف الحرب، لكنها قادرة على إنقاذ روح، ولو ليوم واحد.

 

الاخبار العاجلة