هل تبيع الدولة أصولها أم تُحسن توظيفها؟.. الطريق الحقيقي للخروج من فخ الديون

منذ 60 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

حين تتصاعد أعباء الديون؛ يصبح التفكير في بيع الأصول أحد أول الحلول التي تطرح نفسها بقوة، فهو يبدو طريقا ً سريعا ً لتوفير السيولة وسداد الالتزامات. لكن السؤال الأهم ليس: هل نمتلك ما نبيعه؟
بل: هل نمتلك رؤية لما بعد البيع؟

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن الديون في الحالة المصرية لم تعد مجرد رقم، بل أصبحت عاملا ً ضاغطا ً على قيمة العملة، وعلى قدرة الدولة في توجيه الإنفاق نحو التنمية.
ومع الزيادة السكانية المستمرة يصبح الإنفاق حتميا ً، بينما تظل الموارد تحت ضغط دائم .. ومن هنا يبدو التفكير في حل جذري للتخلص من الديون أمرا ً مشروعا ً، بل وضروريا ً.

لكن بيع الأصول، خاصة الأصول ذات الطبيعة الاستراتيجية، ليس حلا ً بقدر ما هو “تسييل مؤقت للأزمة” .. فالأراضي المتميزة، والمواقع الحيوية، ليست مجرد أصول مالية يمكن تعويضها، بل هي أدوات سيادية واقتصادية تملك الدولة من خلالها القدرة على التأثير طويل الأجل، والتفريط فيها قد يمنحنا سيولة اليوم، لكنه قد يحرمنا من قوة الغد.

المعضلة الحقيقية ليست في سداد الدين فقط، بل في منع إعادة إنتاجه .. فكم من دول نجحت في خفض ديونها عبر بيع الأصول، لتجد نفسها بعد سنوات قليلة تعود إلى نفس الدائرة، لأن هيكل الاقتصاد لم يتغير.
لذلك، فإن الحل لا يجب أن يكون في “بيع ما نملك” .. بل في “تشغيل ما نملك”.

هنا يظهر الفارق بين من يبيع الأصل ومن يوظفه، فبدلا ً من نقل الملكية بشكل كامل، يمكن للدولة أن تتجه إلى نماذج أكثر ذكاء ً، مثل حق الانتفاع طويل الأجل، أو الشراكات الاستثمارية المدروسة، التي تضمن تدفقا ً نقديا ً مستمرا ً، مع الاحتفاظ بالسيطرة على الأصل .. هذا النموذج لا يحقق فقط عائدا ً ماليا ً، بل يخلق أيضا ً نشاطا ً اقتصاديا ً وفرص عمل وقيمة مضافة.

وفي موازاة ذلك، يمكن تحويل جزء من الديون نفسها إلى فرص إنتاجية، عبر آليات “مبادلة الديون بالاستثمار”. فبدلا ً من سداد الدين نقدا ً، يتم الاتفاق مع الدائنين على توجيه قيمته إلى مشروعات داخل الدولة، وهو ما يخفف العبء المالي، ويخلق أصولا ً جديدة بدلا ً من استنزاف الموارد.

أما التفاوض على الفوائد وشروط السداد، فهو مسار لا يقل أهمية .. فالدين ليس رقما ً جامدا ً، بل اتفاق يمكن إعادة صياغته، وكلما امتلكت الدولة رؤية واضحة وخطة إصلاح حقيقية، زادت قدرتها على التفاوض بشكل أفضل، سواء بخفض الفوائد، أو تمديد الآجال، أو ربط السداد بمعدلات النمو.

في النهاية ؛؛ ليست المشكلة في وجود الدين، بل في طريقة التعامل معه.، فالدول القوية لا تهرب من ديونها ولا تبيع مستقبلها لتسديد حاضرها، بل تعيد توظيف مواردها، وتبني اقتصادا ً قادرا ً على امتصاص الصدمات وتحقيق النمو.

ومصر؛ بما تملكه من موقع جغرافي فريد، وسوق كبير، وموارد متنوعة، لا تحتاج إلى بيع أصولها، بقدر ما تحتاج إلى إدارة ذكية لها.

لأن الفارق بين دولة تبيع أرضها ودولة تستثمرها، هو الفارق بين من يحل أزمة ومن يصنع مستقبلاً

الاخبار العاجلة