من التهميش التاريخي إلى التمرد المسلح.. من هم المتمردون الطوارق؟

منذ 55 دقيقةآخر تحديث :
من التهميش التاريخي إلى التمرد المسلح.. من هم المتمردون الطوارق؟
تقرير: فاطمة خليفة

يتصدر متمردو الطوارق المشهد الأمني في شمال مالي، في نزاع يمتد لعقود ويتأرجح بين مطالب “تقرير المصير” وتوصيف الحكومة لهم بـ”التمرد المسلح”. مستندين إلى تحالفات متغيرة وشبكات لوجستية حولت إقليم “أزواد” إلى ساحة صراع مفتوحة في قلب منطقة الساحل. 

 

يخوض المسلحون الطوارق مواجهات مفتوحة مع الجيش المالي، أسفرت إحدى الهجمات عن مقتل وزير الدفاع، مما وضع البلاد في حالة فوضى غير مسبوقة.

 

تشهد مالي منذ أكثر من عشر سنوات أزمة أمنية، إذ ترجع جذور الأزمة إلى شكاوى الطوارق من تهميش الدولة المركزية في باماكو لمناطقهم الشمالية. ومع انهيار اتفاقيات السلام المتعاقبة، تحولت الاحتجاجات المطلبية إلى حركات تمرد منظمة، استغلت الفراغ الأمني لتوسيع نفوذها. 

 

وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على خفايا هذا الصراع، ونستعرض جذور المظلومية التاريخية للطوارق، ونكشف آليات التمويل، وما يمكن أن تؤول إليه هذه الأزمة في ظل توازنات القوى الإقليمية.

 

كيف تحولت المظلومية التاريخية إلى شرعية سياسية؟ 

تنتشر فصائل الطوارق عبر مساحة واسعة بالصحراء الإفريقية الكبرى، حيث تضم كافة دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر، موريتانيا، وليبيا)، بالإضافة إلى مالي والنيجر وتشاد، إلا أن الغالبية منهم تتمركز أساسا في جمهوريتي مالي والنيجر. 

وتستمد الفصائل الطارقية شرعيتها السياسية من المظلومية التاريخية، التي تعود إلى مرحلة ما بعد الاستقلال في ستينيات القرن الماضي. في ظل صراع الهوية والحقوق.

 

تدافع الطوارق عن شرعيتها، متهمة؛ التخطيط الحدودي الذي فرضته الحقبة الاستعمارية، بأنه مزق مناطقهم الرعوية، متبوعاً بسياسات تهميش من قبل الحكومات المركزية، حيث تؤكد الوقائع التاريخية أن التمردات المتتالية (1963، 1990، 2006، 2012) كانت نتيجة مباشرة لشعور التهميش السياسي. 

 

قوبلت حركة الطوارق بكثير من القمع، من قبل حكومات هذه الدول وخاصة في مالي والنيجر، واضطر الطوارق في كثير من الحالات إلى حمل السلاح ضد حكومات الدول التي ينتمون إليها، لدفع الظلم والقهر أحيانا ولنيل بعض الحقوق المسلوبة أحيانا أخرى. 

 

“الحركة الوطنية لتحرير أزواد”:

تشير التقارير الميدانية إلى أن غياب الاستثمار التنموي، وتغييب النخب الطارقية عن دوائر صنع القرار في باماكو، خلق شعوراً بالانفصال السياسي، مما دفع فصائل مثل “الحركة الوطنية لتحرير أزواد” إلى حمل السلاح لانتزاع مطالب تتعلق بالحكم الذاتي أو تقرير المصير، معتبرين أن الدولة فشلت في تمثيلهم.

 

في المقابل واجهت السلطات المالية الطوارق مواجهات عنيفة، واصفة تمردها بـ “التمرد الإرهابي” ودعت المجتمع الدولي لحمايتها منهم، وسرعان ما تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية تحت مزاعم دعم الحكومة المالية في مواجهة الإرهاب، مما أغضب ثوار الطوارق ودفعهم لمزيد من محاولات الانقلاب والتمرد المتكررة. 

 

أما في النيجر فقد اتهمت الحكومة؛ الطوارق بالحصول على دعم وتمويل خارجي من قبل شركات عالمية تبحث عن اليورانيوم داخل البلاد، في إشارة إلى الشركات التابعة لفرنسا.

في ذات الوقت، يتهم الطوارق، الحكومة في النيجر بعدم الالتزام بالاتفاقيات التي تنص على تنمية مناطقهم وإدماج أبنائها في الجيش، مما دفعهم للخروج على هذه الحكومات.

 

عسكرة الأزمة: التمويل ومصادر القوة

 تحولت حركات التمرد تدريجياً من مجموعات عشائرية إلى مجموعات مسلحة تمتلك خبرات قتالية، مستفيدة مما يعرف بـ”اقتصاد الحرب”. 

 

وتعتمد هذه الفصائل على سيطرتها على المسارات الصحراوية لفرض إتاوات على شبكات التهريب العابرة للحدود، والتي تشمل البضائع والممنوعات، مما وفر لها تمويلاً مستقلاً عن سلطة الدولة في باماكو. 

 

كيف استفاد الطوارق من الأزمة الليبية؟

استفاد الطوارق من أحدث انهيار النظام الليبي عام 2011، حيث عاد مئات المقاتلين الطوارق الذين كانوا يعملون في ليبيا؛ مدججين بأسلحة ثقيلة ومتطورة من المخازن المنهوبة بليبيا، مما مكنهم من تحدي القوات النظامية المالية وتغيير موازين القوى في الشمال خلال هجوم عام 2012.

 

الدعم الخارجي: 

تفيد تقديرات بأن فصائل التمرد تعمل ضمن توازنات نفوذ معقدة؛ إذ تستخدم أحياناً كأوراق ضغط في التفاعلات الإقليمية. 

 

كما تلعب بعض الأطراف أدوار الوساطة التي تمنح المتمردين مساحة سياسية، وهو ما تجلى في “اتفاق الجزائر” للسلام عام 2015، الذي استضافته الجزائر كطرف وسيط لإنهاء النزاع بين باماكو وحركات التمرد. 

هذا التداخل جعل شمال مالي ساحة لتداخلات تمنع أي طرف من بسط سيطرته المطلقة، وتكرس حالة من “السيولة العسكرية”، حيث تتغير التحالفات بناءً على مقتضيات أمن الحدود ومصالح الدول المتداخلة في الإقليم.

 

 إلى أين تتجه الأزمة؟ 

تشير المعطيات الحالية إلى أن الحل العسكري لم يحسم النزاع، بل عمق الفجوة مع سكان الشمال. ومن المتوقع أن تستمر دوامة العنف طالما ظلت المطالب السياسية معلقة، وغابت الرؤية التنموية الشاملة. 

ومع تعقيد المشهد بدخول فاعلين دوليين، يزداد خطر تحول شمال مالي إلى منطقة هشة خارج سيطرة الدولة بشكل كامل. 

 

ويحذر مراقبون من أن مآلات هذه الأزمة قد تؤدي إلى سيناريو أخطر، حيث يهدد استمرار التمرد ليس فقط وحدة مالي، بل أمن دول الساحل الأفريقي بأسره، ما لم يتم التوصل إلى تسوية سياسية جذرية تعيد صياغة العقد الاجتماعي والسياسي في البلاد.

 

الطوارق بين تراجع النفوذ الفرنسي وتصاعد الحضور الروسي 

دائما ما كانت الدول الأفريقية مطمعا لنفوذ القوى العالمية التي طالما استفادت من الصراعات الداخلية مستغلة سوء الأحوال المعيشية والاقتصادية والاجتماعية لهذه البلاد، لتضع يدها على ثرواتها المدفونة.

 

وتعد فرنسا من الدول صاحبة النفوذ الأقوي في العديد من دول القارة الأفريقية، وقد استخدمت باريس تاريخياً التناقضات بين السكان المستقرين والطوارق في شمال مالي للحفاظ على مصالحها. 

ومع ذلك، تراجع هذا النفوذ مع تصاعد الحضور الروسي، حيث تسعى روسيا لاستبدال الوجود الفرنسي، مما يجعل الطوارق طرفاً يقاتل حلفاء روسيا الجدد. 

 

وقد أعلنت الطوارق أن الهدف الرئيس للهجمات الأخيرة التي شنتها ضد القوات المسلحة في مالي؛ هو المطالبة بانسحاب روسيا بشكل دائم من أزواد ومن مالي بأكملها، مؤكدة على استمرار المواجهات ضد الروس. 

الاخبار العاجلة