تشهد إيران منذ ستة أيام احتجاجات على غلاء المعيشة وضد سياسات النظام، أسفرت عن ستة قتلى بين متظاهرين وقوات الأمن. فبعدما كان منحصرا على أصحاب المتاجر، امتد الغضب ليطال الجامعات ويتخذ منحى سياسيا، من خلال شعارات يهتفها المتظاهرون ضد الحكومة وقوات الأمن. فما هي هذه الشعارات وما دلالاتها؟
تتواصل موجة الاحتجاجات ضد ارتفاع الأسعار في إيران. وقد بدأت الحركة الاحتجاجية الأحد بإضراب ومظاهرات لأصحاب المتاجر في طهران. وسرعان ما انضم إليها طلاب من عدة جامعات. وعلى الرغم من أن حجم هذه الاحتجاجات لم يرتقِ إلى مستوى الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني في العام 2022، إلا أن الغضب يبدو أنه طال فئات أكبر في المجتمع اليوم.
أمرت السلطات الإيرانية بإغلاق المؤسسات العامة، وأصبح الجميع في عطلة بمعظم أنحاء البلاد. وقد عللت طهران ذلك رسميا ببرودة الطقس وضرورة ترشيد استهلاك الطاقة.
لكن، ورغم هذه الإجراءات، الاحتجاجات مستمرة في البلاد. إذ لقي ستة أشخاص على الأقل حتفهم الخميس في اشتباكات بين المتظاهرين وقوات الأمن، بحسب وسائل إعلام محلية، مع امتداد رقعة الغضب إلى مدن إقليمية أصغر مثل مرودشت.
ففي مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، تمتزج الشعارات السياسية بمطالب تحسين المعيشة، مُعبرة عن سخط واسع النطاق طال جميع شرائح المجتمع. ويتضح ذلك جليا في الهتافات التي رُددت في شوارع البلاد في الأيام الأخيرة.
“لا غزة ولا لبنان، فلتكن حياتي فداء لإيران”
لقد تردد صدى هذا الشعار الذي تبناه المتظاهرون في الأيام الأولى للاحتجاجات، في العديد من مقاطع الفيديو. ما يعكس الغضب المتزايد تجاه سياسة إيران الخارجية.
ويعد رفض المحتجين دعم طهران للحكم الإسلامي لحركة حماس الفلسطينية وجماعة حزب الله اللبناني، تحديا لعقود من التزام بلادهم اتجاه حركات إقليمية وخارجية. علما أن هذه التحالفات تتطلب صرف موارد إيرانية على حساب احتياجات داخلية، في الوقت الذي تمر فيه البلاد بإحدى أخطر الأزمات الاقتصادية.
وإلى جانب التجار المتضررين من انخفاض قيمة العملة، الذي شلّ مبيعات السلع المستوردة، يعاني معظم السكان من تضخم جامح. ففي ديسمبر/كانون الأول، ارتفعت الأسعار بمعدل 52% خلال العام، وفقا لمركز الإحصاء الإيراني.
ولكن يخفي هذا المعدل ارتفاعات أكبر بكثير في أسعار السلع الأساسية. ما أجج شعور الإحباط لدى مختلف فئات المجتمع ومنح رمزية أقوى للشعار.
“لا للخوف، كلنا معا!”
في اليوم الثالث من الاحتجاجات، وفي أحد أزقة سوق طهران، ظهرت شابة بلباسها العادي وحذائها الرياضي وتسريحة شعرها على شكل ذيل حصان، تتقدم موكبا من التجار. استدارت وخاطبت الحشد بصوتها الحاد، رافعة قبضتها إلى أعلى: “لا للخوف! لا للخوف! كلنا معا!” وسرعان ما ردد الرجال خلفها هذا الشعار.
وعلى طول الطريق، وسط نظرات ذهول وإعجاب، قام أحد المارة بتصوير المشهد صائحا: “أحسنتِ! يا لها من فتاة شجاعة!”
وشعار “لا للخوف، كلنا معا!”، الذي غالبا ما يهتف به المتظاهرون منذ سنوات في إيران، ليس بجديد. لكن وجود هذه الشابة بين الباعة في البازار، الذين يبدو أنهم يدعمونها، يُظهر تضامنا نضاليا كسر حاجز الخوف ليصبح ظاهرا للعلن.
واشتركت المطالب السياسية لحركة “المرأة، الحياة، الحرية” مع استياء تجار البازار، المنتمين إلى الشرائح الأكثر تديّنا وتمسكا بالتقاليد في المجتمع.
وظهرت شعارات أخرى تم تداولها في الأيام الأخيرة، والتي تدعو إلى التعبئة، على غرار: “أيها الإيرانيون، ارفعوا أصواتكم وطالبوا بحقوقكم!”… و”لا تبقوا متفرجين، انضموا إلينا!”، إضافة إلى: “من يدّعي الحياد فهو بالضرورة فاقد للشرف”، وهو شعار هتفت به طالبات من جامعة يزد، وسط البلاد، في 30 ديسمبر/كانون الأول.
“حرية! حرية! حرية!”
في الأيام الأخيرة، عاد هذا الشعار مجددا، وهو الذي كان رمزا للاحتجاجات الجامعية. في هذا الفيديو، الذي صُوّر في 30 ديسمبر بجامعة خواجه ناصر الطوسي للتكنولوجيا في طهران، يظهر الطلاب وهم يضربون الأرض بأحذيتهم أثناء هتافاتهم بهذا الشعار في الممرات.
هذا، وتبقى الجامعات، الخاضعة لمراقبة مشددة، بؤرا للاحتجاجات. وقد نظم طلاب في سكن جامعي بطهران مظاهرة مساء الإثنين، مرددين شعار “أطلقوا سراح الطلاب، احتجوا! احتجوا!”. لكن قوات الأمن ردت سريعا بمحاصرة المجمع الطلابي وإغلاق مداخله. وفي اليوم التالي، امتدت المسيرات إلى نحو عشر جامعات رئيسية أخرى في العاصمة.
“يا رجال الشرطة! ساندونا!”
يا للعار! يا للعار!”، بهذه العبارات، وبصوت واحد نددت طالبات من جامعة شهيد بهشتي في طهران، بقوات الأمن “التي جاءت لقمع التجمع الذي نُظم ليلة الأربعاء في سكنهن الجامعي، الواقع شمال العاصمة”، وفقا للصحافي أرمين عارفي.
وقد رافقت هذه الشعارات معظم المظاهرات منذ الأحد، وترددت على كل حاجز تفتيش للشرطة، أو إطلاق للغاز المسيل للدموع، أو اعتقال عنيف، مثلما يظهر في مقطع فيديو من 31 ديسمبر/كانون الأول، عندما دخل رجال الأمن بملابس مدنية واعتقلوا طالبا أمام أعين زملائه.
وعاد أصحاب المتاجر والباعة المتجولون للتظاهر في طهران الخميس. وبعد توجيه بعض الشتائم للقوات الخاصة، شرعوا في هتافات مثل: “يا رجال الشرطة! ساندونا!” آملين في أن ينضم بعض من رجال الأمن إليهم. الأمر الذي قد يرجح الكفة ويعطي الحركة زخما جديدا.
ومن مدينة مرودشت قرب شيراز، وفي مقطع فيديو تم نشره على نطاق واسع الخميس الموافق للأول من يناير/كانون الثاني، وجّه متظاهرون شباب تهديدا مباشرا للمرشد الأعلى…
ولطالما كان علي خامنئي، الشخصية الأولى في جمهورية الإسلامية، هدفا لشعارات المتظاهرين. وفي طهران ومحافظات أخرى، تعالت هتافات أيضا تنادي بـ”الموت للديكتاتور!”.
كما هتف طلاب جامعة طهران: “الموت لمبدأ ولاية الفقيه!” وبهذه الشعارات، يتحدى هؤلاء الطلبة أسس الجمهورية الإسلامية، التي وضعها آية الله الخميني على مبدأ “ولاية الفقيه”، الذي يمنح الشخصيات الدينية الأولوية على السلطة السياسية ويضع المرشد الأعلى على رأس الدولة.
وتعكس الشعارات الموجهة ضد علي خامنئي رفض المتظاهرين للشخصية الفردية وللنظام السياسي الذي يمثله على حد السواء.
وتضم هذه الاحتجاجات أيضا إشارات إلى النظام القديم. ويتجلى ذلك في شعارات رددها المتظاهرون على غرار: “هذه هي المعركة الأخيرة، سيعود بهلوي!” أو “رضا شاه، رحمك الله”، دعمًا لرضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، المنفي في الولايات المتحدة والشخصية المثيرة للجدل في المعارضة الإيرانية.
ورغم تمتعه بشعبية نسبية، لا سيما في أوساط الجالية الإيرانية في الخارج، إلا أنه لا يحظى بالإجماع. وما ترديد شعارات مثل “لا شاه ولا ملا” في الأيام الأخيرة، سوى دليل على ذلك.
ويشير البعض إلى علاقته الوثيقة برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. فيما نشرت صحيفة هآرتس مؤخرا تقريرا عن عملية نفوذ تهدف إلى إعادته إلى منصب الشاه خلال حرب الإثني عشر يوما في يونيو/حزيران الماضي بين إيران وإسرائيل.
إلى ذلك، وبعيدا عن الشخصيات السياسية، يعبّر معظم المتظاهرين عن تطلعات أوسع، تتمثل بالدرجة الأولى في طي صفحة الجمهورية الإسلامية والذهاب نحو مستقبل آخر، يجسده أحد الشعارات التي هتف بها المحتجون: “نقاتل، نموت، لكننا سنستعيد إيران!”













