دخلت الدبلوماسية العراقية مرحلة جديدة من التحرك الإقليمي بإعلانها البدء في وساطة مباشرة بين طهران وواشنطن، حيث يسعى العراق لنزع فتيل التصعيد الحالي ومنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة عسكرية شاملة، خاصة مع تزايد الضغوط الدولية والاضطرابات الداخلية التي تواجهها الأطراف المعنية.
وفي خطوة تعكس تخلي بغداد عن سياسة “النأي بالنفس” التي ظهرت جلية في تصريحات الخارجية العراقية قبل أيام، والتي أكدت فيها بعدم السماح باستخدام أراضيها لضرب دول الجوار، وبالتالي يأتي هذا التحرك العراقي في توقيت بالغ الحساسية، خاصة بعد إعلان واشنطن عن اقتراب ضربة عسكرية على طهران.
في هذا السياق، كثفت بغداد اتصالاتها مع الجانبين، إذ من المنتظر أن يصل إلى العاصمة العراقية خلال الـ 48 ساعة القادمة المبعوث الرئاسي الأمريكي “مارك سافايا”، برفقة فريق عمل متخصص من الإدارة الأمريكية، ليحمل معه ملفات وصفها مراقبون بأنها “شائكة” ومعقدة، تتعلق بالوجود العسكري الأمريكي ومستقبل العلاقات الثنائية في ظل التهديدات المتبادلة، مما يضع الدبلوماسية العراقية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تقريب وجهات النظر المتباعدة.
وتندرج هذه التحركات العراقية ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى حماية السيادة الوطنية؛ إذ تلمح بغداد في كافة مشاوراتها إلى تمسكها بقرار عدم السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها كمنطلق لتوجيه ضربات ضد دول الجوار.
في سياق متصل، أجرى وزير الخارجية العراقي “فؤاد حسين” زيارة سريعة إلى طهران، التقى خلالها بكبار المسؤولين لتقليل احتمالات الصدام العسكري، شارك من خلالها في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الإيراني.
من جانبه أثار وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” جدلاً سياسياً واسعا بوصفه إخلاء “قاعدة عين الأسد” بمحافظة “الأنبار” من القوات الأمريكية بأنه “ثمرة للتعاون الوثيق” بين طهران وبغداد.
ويعكس هذا التصريح بحسب محللون تصعيداً غير مبرر، لا ينسجم مع طبيعة الوساطة العراقية، خاصة وأنه يتزامن مع ضغوط داخلية واحتجاجات واسعة شهدتها المدن الإيرانية، وتصريحات حادة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دعا فيها إلى “تغيير القيادة” في إيران.
ومن المرجح أن تؤمن هذه الوساطة الموقف الحيادي لبغداد، عبر رسالة ضمنية موجهة لكافة الأطراف بضرورة احترام حياد العراق وعدم تحويله إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وهو ما يمثل الركيزة الأساسية التي تنطلق منها الوساطة العراقية لضمان استقرار البلاد ومحيطها.














