قوى الشرّ تبقى شرّاً.. وتأكل نفسها

5 مارس 2026آخر تحديث :
وجدي صادق
وجدي صادق

بقلم: د. وجدي صادق

في زمنٍ تختلط فيه المعايير، وتضيع فيه البوصلة بين صخب الشعارات وضجيج المصالح، تبقى حقيقةٌ واحدة لا تتبدّل؛ قوى الشرّ، مهما تجمّلت بالشعارات، ومهما إرتدت أثواب الوطنية أو ادّعت الحرص على الناس، تظلّ شرّاً في جوهرها، وتأكل نفسها بيدها قبل أن يأكلها الزمن.

•الشرّ لا يبني دولة، ولا يصنع وطناً، ولا يحمي شعباً. هو يعيش على الهدم، ويتغذّى على الخوف، ويكبر في ظلال الفوضى. قد يظنّ أصحابه أنّهم يربحون جولةً هنا أو موقعاً هناك، لكنّهم في الحقيقة يحفرون حفرتهم بأيديهم. لأنّ الظلم لا يستقرّ، والفساد لا يدوم، والتحريض نارٌ أوّل ما تحرق تحرق صاحبها. كم من قوّةٍ ظنّت نفسها فوق المحاسبة، فإذا بها تسقط تحت ثقل أخطائها. وكم من جهةٍ إعتقدت أنّ بإمكانها أن تبتلع الدولة لتصبح هي الدولة، فإذا بالدولة، وإن ضعفت، تلفظها كما يلفظ الجسد جسماً غريباً. فالتاريخ ليس دفتر مصالح آنية، بل سجلّ عدالةٍ مؤجّلة، يدوّن بصبرٍ كلّ ما يُرتكب بحقّ الشعوب.

•قوى الشرّ تتغذّى على الإنقسام، وتستثمر في الخوف، وتزرع الشكّ بين أبناء الوطن الواحد. لكنها تنسى أنّ الأوطان لا تقوم إلا بالتكافل، وأنّ الشعوب، مهما أُنهكت، تملك حدساً فطرياً يميّز بين من يخدمها ومن يستخدمها. وحين تنكشف الأقنعة، يسقط السحر، وتبدأ رحلة التآكل الداخلي؛ صراعات، إنشقاقات، تخوين متبادل، وسباق محموم على النفوذ.

•هناك يبدأ الشرّ بأكل نفسه…. ليس في هذا الكلام ترفٌ بلاغي، بل قراءة في سنن الحياة. فكلّ مشروعٍ يقوم على الإقصاء، وكلّ سلطةٍ تُحكم بالخوف، وكلّ خطابٍ يُبنى على الكراهية، هو مشروعٌ إلى زوال. قد يطول الزمن، وقد يدفع الأبرياء أثماناً باهظة، لكنّ النهاية واحدة؛ الشرّ لا ينتصر إلّا مؤقّتاً، لأنّه يفتقر إلى أهمّ عناصر البقاء… الأخلاق.

•الوطن ليس غنيمةً تُقتسم، ولا مزرعةً تُدار لمصلحة فئة، ولا ساحةً لتصفية الحسابات.

•الوطن عهدٌ بين الناس، وثقةٌ متبادلة، ومسؤوليةٌ مشتركة. وحين تتحوّل السياسة إلى أداة إنتقام، أو إلى تجارة أزمات، فإنّها تفقد معناها، وتتحوّل إلى عبءٍ على الدولة والمجتمع معاً.

•قوى الشرّ تبقى شرّاً، نعم… لكنها أيضاً هشّة من الداخل، مهما بدت متماسكة من الخارج. هي كالبنيان الذي تُنخر أساساته ببطء، حتى إذا جاءت لحظة الحقيقة، إنهار دفعةً واحدة. وما أكثر اللحظات التي ظنّ فيها الطغاة أنّهم خالدون، فإذا بهم صفحاتٌ سوداء في كتاب التاريخ.

•في النهاية، لا يبقى إلّا ما كان صادقاً ونظيفاً. لا يبقى إلّا ما خدم الناس بكرامة، وصان الدولة بعدل، وارتفع فوق الأحقاد.

•أمّا الشرّ، فمصيره أن يلتهم نفسه، لأنّه لا يعرف كيف يعيش إلّا على حساب غيره… وحين ينفد الآخرون، يبدأ بإفتراس ذاته. •هكذا تعلّمنا الحياة، وهكذا يخبرنا التاريخ؛ الشرّ طريقٌ قصير، مهما طال، ونهايته دائماً من داخله.

 

*كاتب المقال: إعلامي لبناني.

الاخبار العاجلة