صمت القوى الكبرى.. ماذا يعني غياب صوت بكين وموسكو عن المشهد الإيراني؟

13 مارس 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

في أوقات الأزمات الكبرى، لا يكون ما يقال هو الأكثر أهمية، بل ما لا يُقال. فالصمت أحيانا ً يكون رسالة سياسية لا تقل دلالة عن التصريحات الصاخبة. ومن يتابع المشهد الإقليمي في ظل التوترات المتصاعدة حول إيران يلاحظ بوضوح أن ثلاث دول يُشار إليها غالبا ً باعتبارها أقرب إلى المعسكر الداعم لطهران، وهي الصين وروسيا وكوريا الشمالية، لم تصدر عنها مواقف صاخبة أو حادة كما يتوقع البعض.
هذا الصمت يطرح تساؤلا ً مشروعا ً : هل هو صمت حيادي، أم صمت محسوب يحمل في طياته رسائل أعمق؟

التفسير الأول الذي قد يتبادر إلى الذهن هو أن هذه القوى ترى أن إيران قادرة على إدارة المواجهة بنفسها. فطهران ليست دولة معزولة عسكريا ً أو سياسيا ً، بل تمتلك منظومة ردع إقليمية متشابكة، إضافة إلى شبكة من الحلفاء والأدوات التي تمنحها القدرة على الصمود لفترات طويلة دون الحاجة إلى تدخل مباشر من القوى الكبرى.

أما التفسير الثاني، وهو الأكثر واقعية في حسابات السياسة الدولية، فيرتبط برغبة هذه الدول في تجنب تحويل الأزمة إلى صدام عالمي مباشر مع الولايات المتحدة. فالصين، على سبيل المثال، تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية أمن الطاقة واستقرار التجارة العالمية، وهي لا تريد حربا ً واسعة قد تهدد طرق التجارة أو تدفع بأسعار الطاقة إلى مستويات غير مستقرة.

روسيا بدورها تخوض مواجهة مفتوحة مع الغرب في ساحة أخرى هي الحرب في أوكرانيا، ولذلك فهي تدرك أن توسيع دائرة الصراع في الشرق الأوسط قد يفتح جبهة دولية إضافية لا تخدم مصالحها في هذه المرحلة.

أما كوريا الشمالية، فهي رغم خطابها السياسي الحاد ضد واشنطن، نادرا ً ما تنخرط عمليا ً في صراعات خارج نطاق شرق آسيا، وتفضّل عادة الاكتفاء بالدعم السياسي أو الرمزي بدل التورط المباشر.

لكن هناك تفسيرا ً ثالثا ً لا يقل أهمية، وهو أن الصمت قد يكون جزءا ً من إدارة دقيقة للتوازنات الدولية؛ فالدعم في عالم السياسة لا يكون دائما ً علنيا ً، بل قد يجري في قنوات غير ظاهرة، سواء عبر التنسيق السياسي أو الدعم التقني أو حتى عبر مواقف دبلوماسية تُصاغ بعناية داخل المؤسسات الدولية.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة هذا الصمت باعتباره تخليا ً عن إيران، كما لا يمكن اعتباره تأييداًً صريحا ً لها، بل هو أقرب إلى سياسة انتظار محسوبة، تراقب تطور الأحداث وتحدد لحظة التدخل السياسي إذا اقتضت الحاجة.
وهنا يبرز السؤال الأهم:
متى يتكلم الصامتون؟
في السياسة الدولية، غالبا ً ما يكون كسر الصمت مؤشرا ً على أن الأزمة تجاوزت مرحلة الاحتواء ودخلت مرحلة أكثر خطورة .. ولذلك فإن ما يجري اليوم قد لا يكون مجرد موقف حيادي، بل جزءا ً من لعبة أكبر تتعلق بإعادة رسم توازنات النظام الدولي.
فالعالم لم يعد كما كان قبل عقدين. ومع كل أزمة كبرى تتجدد الأسئلة حول شكل النظام العالمي القادم: هل سيظل نظاما ً أحادي القطبية تقوده واشنطن، أم أن موازين القوى تتجه تدريجيا ً نحو تعددية قطبية أكثر تعقيدا ً ؟

في ضوء ذلك، قد يكون صمت بكين وموسكو وبيونغ يانغ ليس مجرد غياب عن المشهد، بل اختيارا ً واعيا ً لموقع المراقب الاستراتيجي الذي ينتظر اللحظة المناسبة للتأثير في مسار الأحداث، لا مجرد التعليق عليها.

الاخبار العاجلة