مضيق هرمز.. أين كان في الحربين العالميتين وهل يشعل الحرب الثالثة اليوم؟

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مضيق هرمز.. أين كان في الحربين العالميتين وهل يشعل الحرب الثالثة اليوم؟
تقرير: فاطمة خليفة

تسيطر اليوم حالة من الشلل التام على حركة الملاحة العالمية بمضيق هرمز، وسط الصراع العسكري والبحري بين واشنطن وطهران، والذي تسبب في كارثة اقتصادية ألقت بظلالها على العالم أجمع، ليتصدر الممر المائي المشهد كأخطر نقطة اشتعال في العالم. 

 

هذا المشهد الراهن الذي أوقف شرايين الطاقة، يحذر الجميع من قدرته على إشعال حرب عالمية جديدة، فكيف إذن تحول المضيق الذي كان بعيدا عن الصراعات العسكرية في الحربين العالميتين الأولى والثانية، إلى شرارة مرتقبة للحرب العالمية الثالثة؟

 

أمام هذا الانسداد الاستراتيجي، الذي أدى إلى تعطل خمس إمدادات النفط العالمية، تتصاعد التساؤلات بشأن الخلفية التاريخية لهذا الممر المائي ودوره في صراعات القرن الماضي. 

 

وفي هذا السياق، يرصد هذا التقرير موقع مضيق هرمز بين الحاضر والماضي، وما هو دوره في الحربين العالميتين الأولى والثانية، محللاً التحول النوعي في وظيفته الاستراتيجية؛ من شريان إمداد حيوي إلى “أداة ضغط عسكرية” تنذر بوقوع مواجهة شاملة اليوم.

 

مضيق هرمز.. من شريان أمان إلى ساحة صراع اقتصادي

لم يكن مضيق هرمز في القرن الماضي ساحة للصدام، بل كان “شريان إمداد” أحكمت بريطانيا قبضتها عليه لتأمين وقود أسطولها. 

 

ففي الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، كانت المنطقة خاضعة للنفوذ البريطاني المطلق. 

وكانت بريطانيا تسيطر على المضيق لضمان تدفق النفط الذي بدأ يغذي أسطولها البحري المتطور، حيث كان المضيق جزءاً من “المحميات البريطانية”، وكان الهدف هو حماية خطوط الإمداد من أي اختراق ألماني أو عثماني.

 

أما في الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، فقد اتخذ الصراع بعداً استراتيجياً؛ حيث تحول المضيق إلى ممر حيوي لنقل الإمدادات إلى الاتحاد السوفيتي عبر “ممر بلاد فارس”. 

وسيطرت القوات البريطانية والسوفيتية على إيران لضمان عدم وقوع هذه الممرات الاستراتيجية في أيدي النازيين، مما يثبت أن هرمز كان دائماً في قلب أي صراع دولي كبرى.

 

واليوم، اختلف شكل الصراع؛ فالمضيق الذي كان يسيطر عليه “قوة استعمارية واحدة”، بات اليوم محور مواجهة “مباشرة” بين قوتين إقليمية ودولية.

 

هل يتحول المضيق الدولي إلى ملكية خاصة؟

يعد إغلاق إيران للمضيق منذ فبراير 2026، كرد فعل على الضربات الأمريكية والإسرائيلية، ليس مجرد إجراء عسكري، بل هو محاولة لتحويل هذا الممر إلى ورقة ضغط عالمية لكسر “الحصار البحري” المفروض على الموانئ الإيرانية.

 

وتأتي بيانات الشحن البحري الأخيرة لتؤكد عمق الأزمة؛ حيث سجلت صادرات النفط الخليجية عبر الموانئ البديلة تراجعاً حاداً بنسبة 17% في أسبوع واحد فقط، مما يعيد للأذهان ضغوط الحروب الكبرى التي كانت تعتمد على تأمين خطوط الإمداد كأولوية قصوى للنصر.

 

تاريخياً، كانت المضائق دائماً أماكن للتوتر، ولكن الفرق الجوهري اليوم هو “تشابك المصالح العالمي”. 

ففي الحربين العالميتين، كان العالم منقسماً إلى معسكرين واضحين، ولكن اليوم، الاقتصاد العالمي مترابط لدرجة أن إغلاق المضيق لا يهدد أطراف النزاع فقط، بل يهدد السلم الاقتصادي العالمي بأسره.

 

المعادلة الإيرانية.. أمان الطاقة العالمي مقابل أمان طهران

مع استمرار اضطراب إمدادات الطاقة العالمية التي تأثرت بنحو 20%، تتجلى أشباح الحرب العالمية الثانية في طرق التجارة؛ حيث كان المضيق حينها ممرًا حيويًا لقوات الحلفاء لضمان وصول الإمدادات للاتحاد السوفيتي ومنع وصولها لقوى المحور. 

 

ويتكرر هذا المشهد الجغرافي-السياسي بأسلحة أخطر، إذ تفرض واشنطن حصاراً بحرياً لمنع الملاحة الإيرانية، وهو ما تقابله إيران بإغلاق المضيق ومنع السفن من عبوره، مما يحول المضيق من ممر عبور إلى ساحة مواجهة مباشرة. 

 

هذا التشابه بين “حصار الماضي” و”حصار اليوم” يؤكد أن مضيق هرمز ظل عبر التاريخ، كما هو الآن، شريان عالمي، ولكن مع اختلاف توظيفه من قبل القوى العالمية المسيطرة.

 

حينما يعيد التاريخ نفسه وتتكرر الصراعات

تعكس البيانات الميدانية الحالية تعقيداً يتجاوز أزمات الطاقة التقليدية؛ فاستمرار احتجاز السفن وتوقف الحركة الملاحية يمثلان مؤشراً على تصعيد يخرج عن نطاق السيطرة. 

 

ومع رفض طهران للجولات التفاوضية، يبدو أن التاريخ هنا لا يقدم حلولاً، بل يعيد إنتاج الظروف التي جعلت من السيطرة على الممرات المائية نقطة مفصلية في مصير الحروب والصراعات.

 

ليعيد التاريخ نفسه ولكن بأبطال جدد، إذ تستدعي إيران  اليوم ذكريات “السيادة الوطنية” ضد القوى الأجنبية، تماماً كما كانت القوى العالمية في القرن العشرين تستدعي “ضرورات الأمن القومي” للسيطرة على نفس المضيق. 

 

هل يفرض الاقتصاد منطقه أم يقودنا التاريخ للمواجهة؟

وتبرز التداعيات الراهنة في سياقها التاريخي، تساؤل حول مدى إمكانية تجنب السيناريوهات التي واجهها العالم في القرن العشرين، فبينما كان هرمز في الماضي جزءاً من “نظام” يضمن توازنات القوى، يبدو اليوم رهينة لكسر تلك التوازنات، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: هل ستكون هذه النقطة الجغرافية هي المرة الأولى التي ينجح فيها الاقتصاد الحديث في كبح جماح الصراع، أم أن التاريخ سيفرض منطق المواجهة الشاملة مجدداً؟

الاخبار العاجلة