حين سبق الفراعنة عصرهم ؛؛؛ رحلة الأمراض النفسية من المعابد القديمة إلى الأنثروبولوچيا الحديثة

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

عندما نسمع اليوم عن الاكتئاب أو القلق أو الضغوط النفسية، قد يظن البعض أن هذه الظواهر وليدة العصر الحديث، وأن الإنسان القديم لم يكن يعرف عنها شيئا ً، لكن العودة إلى صفحات التاريخ تكشف لنا حقيقة مختلفة، بل ربما مدهشة.

فمنذ آلاف السنين أدرك المصريون القدماء أن الإنسان ليس مجرد جسد يتحرك، بل كيان متكامل تتداخل فيه الجوانب الجسدية والعقلية والروحية. ولذلك لم يتعاملوا مع المعاناة النفسية باعتبارها أمرا ً غامضا ً أو وصمة اجتماعية، بل سعوا إلى فهمها والتعامل معها بالوسائل المتاحة في عصرهم.

تشير البرديات الطبية المصرية القديمة إلى وصف حالات تشبه ما نطلق عليه اليوم القلق واضطرابات النوم والحزن الشديد والتوتر والانعزال .. كما ربط المصري القديم بين إصابات الرأس وبعض التغيرات التي تصيب السلوك والقدرات العقلية، وهو ما يعد من أوائل المحاولات الإنسانية لفهم العلاقة بين الدماغ والسلوك.

وكان العلاج في مصر القديمة يجمع بين الطب والروحانية في آن واحد؛ فالأعشاب الطبية استخدمت إلى جانب الموسيقى والصلوات والتأمل والطقوس الدينية داخل المعابد، ولم يكن الهدف مجرد إزالة الأعراض، بل إعادة التوازن إلى الإنسان كله.

وقد يبدو هذا الفهم بسيطا ً بمقاييس العلم الحديث، لكنه يكشف عن رؤية متقدمة للغاية لعصرها؛ فالمصري القديم لم يكن ينظر إلى المرض باعتباره خللا ً عضويا ً فقط، بل كان يراه جزءا ً من منظومة أوسع تشمل الإنسان وبيئته ومعتقداته وحياته الاجتماعية.

 

وهنا تحديدا ً تبرز أهمية الربط بين هذه الرؤية القديمة وعلم الأنثروبولوجيا الحديث.

فالأنثروبولوجيا ليست مجرد دراسة للشعوب والعادات كما يظن البعض، بل هي في جوهرها محاولة لفهم الإنسان داخل سياقه الثقافي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق ظهر ما يعرف بالأنثروبولوجيا الطبية والأنثروبولوجيا النفسية، وهما فرعان يهتمان بدراسة العلاقة بين الثقافة والصحة النفسية، وكيف تؤثر البيئة الاجتماعية والمعتقدات والعادات على طريقة الإنسان في الشعور بالألم النفسي والتعبير عنه والتعامل معه.

فالعلم الحديث لم يعد ينظر إلى الأمراض النفسية باعتبارها مجرد اضطرابات كيميائية داخل الدماغ، بل أصبح يدرك أن الثقافة والأسرة والمجتمع والظروف الاقتصادية وأنماط الحياة تلعب جميعها دورا ً أساسيا ً في تكوين الحالة النفسية للإنسان.

ولذلك قد تتشابه الأعراض بين البشر، بينما تختلف طرق تفسيرها والتعامل معها من مجتمع إلى آخر. فهناك مجتمعات تفسر بعض الاضطرابات باعتبارها مرضا ً نفسيا ً، بينما تنظر إليها مجتمعات أخرى باعتبارها أزمة روحية أو اجتماعية أو حتى استجابة طبيعية لظروف الحياة.

ومن المثير للتأمل أن المصريين القدماء، رغم غياب العلوم الحديثة وأجهزتها ومختبراتها، اقتربوا intuitively من هذه الفكرة الأساسية؛ وهي أن الإنسان لا يمكن فهمه بمعزل عن عالمه المحيط.

ولعل القيمة الحقيقية لهذا التراث لا تكمن في أن الفراعنة امتلكوا كل الإجابات، وإنما في أنهم طرحوا بعض الأسئلة الصحيحة مبكرا ً جدا ً .. فقد أدركوا أن النفس البشرية جزء من منظومة أكبر، وأن العلاج لا يقتصر على الجسد وحده.

واليوم، وبعد آلاف السنين، تعود الأنثروبولوجيا الحديثة لتؤكد الفكرة نفسها بأدوات علمية أكثر تطورا ً: أن الإنسان لا يُفهم من خلال أعضائه فقط، ولا من خلال أفكاره فقط، بل من خلال تفاعله المستمر مع ثقافته ومجتمعه وبيئته.

وربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى الأنثروبولوجيا باعتبارها علما ً مستوردا ً أو ترفا ً أكاديميا ً، بل باعتبارها امتدادا ً معاصرا ً لواحد من أقدم الأسئلة التي شغلت الحضارة المصرية؛ سؤال فهم الإنسان.
فبين معابد الشفاء على ضفاف النيل، وقاعات البحث العلمي في الجامعات الحديثة، تمتد رحلة طويلة من السعي لفهم النفس البشرية.
تغيرت الأدوات، وتطورت العلوم، وتبدلت المصطلحات، لكن الهدف ظل واحدا ً؛ أن نفهم الإنسان فهما ً أعمق، لأن علاج الإنسان يبدأ من فهمه، لا من علاج أعراضه فقط.

الاخبار العاجلة