الاقتصاد المصري.. من إدارة الأزمة إلى صناعة الفرصة

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم:لواء مصطفى زكريا

لم يعد من الكافي التعامل مع الوضع الاقتصادي الحالي باعتباره أزمة مؤقتة تحتاج إلى حلول إسعافية سريعة !.. فالمشهد العالمي كله يعاد تشكيله، والاقتصاد المصري لم يعد بمعزل عن هذه التحولات. لذلك؛ فإن أي محاولة حقيقية للإصلاح لا يجب أن تكتفي برد الفعل، بل تنطلق من رؤية شاملة تُعيد تعريف دور الدولة، وطبيعة الإنتاج، وأولويات الإنفاق.

الحقيقة التي يجب الاعتراف بها دون تجميل؛ أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في نقص الموارد، بل في كيفية إدارتها .. فمصر ليست دولة فقيرة بالمعنى التقليدي لكنها تعاني من فجوة بين الإمكانيات المتاحة وطريقة توظيفها . ومن هنا تبدأ أولى خطوات الإصلاح: الانتقال من اقتصاد قائم على الاستهلاك والاستيراد، إلى اقتصاد إنتاجي يعتمد على القيمة المضافة.

الزراعة: يجب أن تعود إلى موقعها الطبيعي كركيزة أساسية للأمن القومي، ليس فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل لتكون مصدرا ً للتصدير.
إعادة هيكلة منظومة الزراعة؛ عبر التوسع في المحاصيل الاستراتيجية، وتطبيق نظم الري الحديثة، وربط الإنتاج الزراعي بالصناعات الغذائية، يمكن أن يحوّل هذا القطاع من عبء إلى محرك نمو حقيقي.

وفي الصناعة؛ لا بد من تبني سياسة واضحة تقوم على توطين الصناعات التي تستنزف العملة الصعبة، خاصة الصناعات الوسيطة ومستلزمات الإنتاج. فبدلا ً من استيراد كل شيء، يجب أن تصبح مصر مركزا ً إقليميا ً للتصنيع، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية. جذب الاستثمارات لا يجب أن يكون هدفا ً في حد ذاته؛ بل وسيلة لنقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل.
ملف الاستيراد يحتاج إلى إدارة ذكية، لا إلى قرارات عشوائية. المطلوب ليس إغلاق السوق، بل إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يتم تقليل الواردات غير الضرورية، مع تسهيل استيراد مستلزمات الإنتاج .. هذا التوازن هو ما يضمن استمرار عجلة الاقتصاد دون استنزاف الاحتياطي النقدي.

القطاع الخاص يجب أن يكون شريكا ً حقيقيا ً، لا مجرد منفذ. وتمكينه لا يعني تركه بلا ضوابط، بل توفير بيئة عادلة وشفافة تضمن المنافسة، وتُشجّع على الابتكار. فالدولة دورها أن تضع القواعد، وتراقب الأداء، وتدخل فقط عند الضرورة، لا أن تنافس في كل القطاعات.

وفي جانب الموازنة المالية، يصبح من الضروري إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتوجيه الموارد نحو التعليم والصحة والإنتاج، بالتوازي مع الاستثمار طويل الأجل، كما يجب العمل على توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل، دون تحميل الفئات المحدودة أعباء إضافية.

ولا يمكن الحديث عن اقتصاد قوي دون التطرق إلى ملف الدين. الحل لا يكمن فقط في السداد، بل في تحويل الديون إلى فرص، عبر مبادرات مبادلة الديون بالاستثمار والإنتاج .. وهو نموذج إذا تم تنفيذه بذكاء، يمكن أن يخفف الضغط المالي ويخلق قيمة حقيقية في الاقتصاد.

وأخيرا ً، يبقى العنصر الأهم هو الإنسان؛ فأي إصلاح اقتصادي لا يضع المواطن في قلب العملية؛ سيظل إصلاحا ً ناقصا ً.
الاستثمار في التعليم، والتدريب، وبناء المهارات، هو الضمان الحقيقي لاستدامة أي نهضة اقتصادية.

في النهاية ؛؛ الاقتصاد لا يُبنى بالقرارات وحدها، بل بالإرادة، والرؤية، والانضباط في التنفيذ. ومصر، بكل ما تمتلكه من موقع وتاريخ وقدرات بشرية، قادرة على التحول من دولة تدير الأزمات .. إلى دولة تصنع الفرص.

الاخبار العاجلة