
بقلم: لواء مصطفى زكريا
يُرهق الإنسان نفسه كثيرا ً حين يقضي عمره في صراعٍ مع ما ليس بيده، أو في مقارنة ٍ ظالمة مع ما عند الآخرين، أو في مطاردة صورة ٍ يتخيّل أنه يجب أن يكون عليها ليحظى بالرضا. وبين هذا كله، قد ينسى حقيقة بسيطة؛ أن لكل إنسان نصيبه، وتكوينه، ورحلته الخاصة التي لا تشبه أحدا ً.
حين يقول الإنسان: أعتز بما وهبني الله، فهو لا يتحدث عن غرور ٍ أو تعالٍ ، بل عن امتنان هادئ .. امتنان للصحة إن وُجدت، وللعقل إن أضاء، وللقلب إن ظل نقيا ً، وللروح إن بقيت قادرة على الحب رغم ما مرّت به من تعب .. فكم من نعم نملكها، ثم لا نراها لأننا مشغولون بما ينقصنا.
والإنسان الناضج لا يكتفي بالرضا بما مُنح؛ بل يعرف أيضا ً أن الحياة تحتاج إلى سعي، لذلك يقول: أُصلح ما أقدر عليه. يُصلح من طباعه ما أفسدته التجارب، ويُصلح من أخطائه ما أفسدته العجلة، ويُصلح من علاقاته ما يستحق البقاء .. لا يعيش دور الضحية، ولا ينتظر العالم ليتغير من أجله، بل يبدأ بنفسه؛ لأنها المساحة الوحيدة التي يملك قراره حقا ً .
لكن الحكمة الأعمق تظهر في الجزء الثالث: وأرضى بما يخرج عن قدرتي ؛ فليست كل الأبواب تُفتح مهما أخلصنا الطرق، وليست كل العلاقات تُنقذ مهما صدقت النوايا، وليست كل الأمنيات تُكتب لنا مهما تمنيناها بصدق .. هناك أشياء لا تُحل بالقوة، ولا تُنتزع بالإصرار، ولا تُبدَّل بكثرة التفكير.
وهنا يتعب كثير من الناس؛ لأنهم يصرّون على حمل ما لا يُحمل، وعلى تغيير ما لا يتغير، وعلى سؤال الحياة إجابات ٍ لا تملكها الآن. بينما الراحة تبدأ حين نفرّق بين ما نستطيع التأثير فيه، وما يجب أن نتركه لله والزمن.
ليس الرضا ضعفا ً، وليس التسليم هزيمة، بل أحيانا ً يكون أعلى درجات القوة، لأن القوي ليس من ينتصر على العالم كله، بل من يعرف متى يسعى، ومتى يتوقف، ومتى يبتسم لما لم يُكتب له ثم يمضي.
في النهاية ؛؛ الإنسان لا يحتاج أن يكون نسخة من أحد، ولا أن يملك كل شيء، ولا أن يربح كل المعارك، يكفيه أن يعرف نفسه، ويقدّر ما فيها، ويعمل على تحسينها، ثم ينام وقلبه مطمئن.
هذا أنا ؛؛؛ أعتز بما وهبني الله، أُصلح ما أقدر عليه، وأرضى بما يخرج عن قدرتي.
