
بقلم: لواء مصطفى زكريا
قد يبدو الرفض الإيراني المتكرر لما يُشاع عن وساطات وقف إطلاق النار أمرا ً غير مفهوم عند النظر إلى ميزان القوة العسكرية المجرد؛ فالفارق واسع بين القدرات الجوية الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وبين ما تملكه إيران من سلاح جوي محدود وتقادم نسبي في جزء من بنيته، فضلا ً عن ثغرات معروفة في شبكة دفاعها الجوي. لكن قراءة الموقف بهذه الطريقة وحدها تظل قراءة ناقصة؛ لأنها تفترض أن الدول لا ترفض أو تقبل إلا على أساس المقارنة المباشرة بين أدوات القوة العسكرية من الجانبين، بينما الواقع أن بعض الحروب تُدار بمنطق مختلف تماما ً، منطق لا يقوم على التفوق الصافي بقدر ما يقوم على القدرة على الصمود، وتعقيد الحسم، ورفع كلفة الاستمرار على الخصم.
المعطيات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن طهران رفضت بالفعل مقترحات متعددة لخفض التصعيد أو التهدئة عبر وسطاء، وأن خطابها الرسمي ما زال يتمسك بفكرة أساسية مفادها أن التفاوض تحت النار ليس تفاوضا ً بل إملاء، وأن وقف القتال قبل فرض كلفة مقابلة على الخصم سيُقرأ داخليا ً وخارجيا ً بوصفه تراجعا ً لا تسوية .. وقد نقلت رويترز أن القيادة الإيرانية رفضت مقترحات لتخفيف التوتر، بينما واصل الخطاب الإيراني ربط أي تهدئة بتوقف الضربات المقابلة أو بتغيّر شروط الميدان.
وهنا يبرز السؤال الحقيقي: على ماذا تستند إيران في هذا الرفض، وهي تعرف يقينا ً أنها لا تملك تفوقا ً جويا ً، ولا تستطيع منافسة الولايات المتحدة أو إسرائيل في الحرب الجوية الكلاسيكية؟
الإجابة في تقديري أن إيران لا تبني موقفها على وهم النصر التقليدي، بل على استراتيجية مختلفة تماما ً: الردع بالصمود لا بالسيطرة على السماء. فهي لا تحتاج إلى أن تمنع كل ضربة حتى تعتبر نفسها قادرة على الاستمرار، بل يكفيها أن تجعل الضربة غير حاسمة، وأن تجعل الحرب أطول وأغلى وأكثر التباسا ً. لهذا تستند طهران أولا ً إلى قدرتها على مواصلة الإيذاء المقابل بالصواريخ والمسيّرات، وعلى الإبقاء على الجبهة مفتوحة زمنيا ً بما يحول التفوق الجوي المقابل من أداة حسم سريع إلى أداة استنزاف طويل. وقد ذكرت أسوشيتد برس أن الخطاب الإيراني الرسمي أكد استمرار إنتاج الصواريخ واستمرار الحرب رغم الضربات، وهو ما يعكس منطق الاستمرار لا منطق الحسم الخاطف.
وتستند ثانيا ً إلى الجغرافيا والعمق؛ فإيران ليست هدفا ً صغيرا ً سهل الإخضاع بمجرد التفوق الجوي، هي دولة واسعة المساحة، متشعبة البنية، تملك عمقا ً جغرافيا ً وسكانيا ً وصناعيا ً يسمح لها بامتصاص جزء من الضربات وإعادة توزيع الأعباء والتموضع. وهذا لا يعني أنها منيعة، لكنه يعني أن إسقاط قدرتها على الاستمرار أصعب كثيرا ً من مجرد تدمير أهداف متفرقة. بل إن نتنياهو نفسه لمح إلى أن أي تغيير جذري قد يتطلب “مكونا ً بريا ً”، وهو اعتراف ضمني بأن القوة الجوية وحدها قد لا تكفي لتحقيق النهاية السياسية التي يريدها.
أما الركيزة الثالثة فهي أوراق التعطيل الإقليمي؛ فإيران، حتى دون تفوق جوي، ما زالت تملك القدرة على تهديد الممرات البحرية، وتعطيل جزء من تدفقات الطاقة، وإرباك بيئة الملاحة والتأمين والتجارة. وهذا معناه أن طهران تراهن على أن استمرار الحرب لن يبقى شأنا ً عسكريا ً محصورا ً بينها وبين خصومها المباشرين، بل سيتحول إلى أزمة عالمية في الطاقة والنقل والأسعار.
وهذه النقطة بالذات هي ما يمنح الرفض الإيراني وزنه الحقيقي؛ فالدولة التي لا تستطيع كسب المعركة في الجو، قد تستطيع كسب شيء آخر أخطر بمنع خصمها من ترجمة تفوقه الجوي إلى نصر نظيف وسريع. وقد أظهرت التطورات الأخيرة كيف انعكست الحرب مباشرة على أسواق الطاقة والغاز والنقل. وهذه ليست آثارا ً هامشية؛ بل هي بالضبط البيئة التي تراهن إيران على توسيعها حتى يصبح الضغط على واشنطن وتل أبيب وحلفائهما أكبر من مجرد حسابات الميدان المباشرة.
الركيزة الرابعة هي الرهان على تآكل الإرادة السياسية لدى الخصم. فالولايات المتحدة وإسرائيل تملكان قدرة نارية هائلة، لكن ذلك لا يعني أن لديهما قدرة غير محدودة على تحمل حرب مفتوحة زمنيا ً وسياسيا ً واقتصاديا ً. وهذا يعني أن تكلفة الحرب بدأت تدخل بالفعل إلى الحسابات السياسية والمالية الداخلية الأمريكية. وإيران تدرك أن إطالة أمد الصراع قد لا تمنحها نصرا ً عسكريا ً مباشرا ً، لكنها قد تمنحها فرصة لإرهاق خصمها وإضعاف إجماعه الداخلي والدولي.
ثم تأتي الركيزة الخامسة والأخيرة: المنطق الداخلي للنظام الإيراني نفسه؛ فقبول وقف نار سريع بينما الضربات ما زالت مستمرة قد يُفهم داخل إيران باعتباره رضوخا ً تحت الضغط، لا مرونة سياسية. وفي أنظمة تعتبر “الهيبة” جزءا ً من شرعية البقاء، يصبح الرفض أحيانا ً ضرورة داخلية بقدر ما هو موقف تفاوضي خارجي. لذلك لا يُقرأ الرفض الإيراني فقط باعتباره قرارا ً عسكريا ً، بل باعتباره أيضا ً قرارا ً يتعلق بصورة النظام أمام قاعدته الداخلية وأمام حلفائه وأمام خصومه.
ومن هنا نفهم أن ضعف سلاح الجو أو محدودية الدفاع الجوي لا يؤديان تلقائيا ً إلى الاستسلام أو القبول السريع بوقف النار. فهناك فارق كبير بين عدم القدرة على السيطرة على السماء، وبين القدرة على جعل تلك السماء نفسها ساحة مكلفة وملتبسة وغير كافية لحسم الحرب. وهذا على الأرجح هو جوهر الرهان الإيراني الحالي: ليس منع الخصم من الضرب، بل منعه من تحويل الضرب إلى نهاية سياسية نظيفة.
الخلاصة أن إيران ترفض وقف إطلاق النار الآن لا لأنها تتوهم تفوقا ً عسكريا ً شاملا ً، بل لأنها تستند إلى معادلة أخرى؛ معادلة الصمود، والاستنزاف، وتعقيد الحسم، وتوسيع كلفة الحرب إقليميا ً ودوليا ً، إلى الحد الذي يتحول فيه التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي من ميزة حاسمة إلى عبء سياسي واستراتيجي مفتوح.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
إيران لا تبني موقفها على القدرة على الانتصار بالطريقة التقليدية، بل على القدرة على منع خصومها من الانتصار بالطريقة التي يريدونها.
