في تذكير بأحد أحدث وأهم إصداراته المعرفية، يسلّط المركز القومي للترجمة الضوء على كتاب “تاريخ شعوب الصحراء الشرقية” للمؤرخين هانس برنارد وكم دايشترمات، في ترجمة وتقديم شارك فيها الدكتور عاطف معتمد والدكتور عزت زيان والدكتور أسامة حميد، ليأتي العمل بوصفه مشروعًا علميًا موسوعيًا يعيد قراءة واحدة من أكثر مناطق العالم ثراءً وتعقيدًا من الناحية التاريخية والإنسانية.
لا يتوقف الكتاب عند حدود التأريخ التقليدي، بل يفتح أبواب الصحراء الشرقية على امتدادها الجغرافي والإنساني، متتبعًا حركة الشعوب والقبائل التي عبرتها واستوطنتها عبر مئات الآلاف من السنين، من سيناء وفلسطين شمالًا إلى النوبة والحبشة جنوبًا. وفي هذا الفضاء الرحب، تتحول الصحراء من مجرد جغرافيا قاسية إلى مسرح واسع للحراك السكاني والتفاعل الحضاري وتبادل التأثيرات بين الشعوب.
ويأخذ الكتاب القارئ في رحلة ممتدة عبر عصور ما قبل التاريخ، مرورًا بالدولة المصرية القديمة، ثم الفترات الفارسية واليونانية والرومانية والعربية، كاشفًا عن العلاقات العميقة التي ربطت قبائل الصحراء الشرقية وعلى رأسها البجا والعبابدة بمحيطها الإفريقي والعربي، سواء في السودان والنوبة والحبشة أو في شبه الجزيرة العربية، بما يعكس شبكة معقدة من التداخلات الثقافية والاقتصادية والإنسانية.
كما يناقش العمل قضايا شديدة الثراء تتعلق بجذور الإنسان الأولى، وأصول الهجرات التي عرفتها المنطقة، وما خلفته تلك الشعوب من شواهد على تطور الفنون والمعتقدات والأنشطة التجارية والاقتصادية، فضلًا عن طبيعة العلاقة المتشابكة أحيانًا بين سكان الصحراء وسكان المركز في وادي النيل.
ويكتسب الكتاب أهميته الخاصة من كونه خلاصة جهود علمية شارك فيها أكثر من ثلاثين باحثًا ومتخصصًا، ليقدم للقارئ العربي مرجعًا شاملًا يربط بين التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا، ويمنح الصحراء صوتها الذي ظل طويلًا مختبئًا خلف الرمال.














