كشفت دراسة تحليلية صادرة عن مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP) أن الحرب مع إيران باتت عاملًا مزدوج التأثير في القرن الإفريقي، إذ تسهم في تعميق الأزمات القائمة من جهة، مع فتح بعض الفرص الاقتصادية المحدودة من جهة أخرى، في ظل إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية واضطراب سلاسل الإمداد.
وأوضحت الدراسة، التي أعدها الباحث “جيريت كورتس” المتخصص في شؤون إفريقيا والشرق الأوسط، أن دولًا مثل السودان وإثيوبيا والصومال تتأثر بشكل مباشر بالانعكاسات الاقتصادية للحرب، خصوصًا عبر ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب إمدادات الوقود والمواد الأساسية، لكنها في الوقت ذاته قد تستفيد من تحولات في مسارات التجارة الدولية بعيدًا عن الممرات التقليدية المتأثرة بالصراع.
اضطراب اقتصادي واسع في إثيوبيا والسودان
وأشار التقرير إلى أن تداعيات الحصار البحري في مضيق هرمز والتوترات العسكرية في الخليج بدأت تنعكس بشكل واضح على دول القرن الإفريقي، حيث تواجه إثيوبيا أزمة وقود حادة أدت إلى طوابير طويلة أمام محطات التوزيع، مع اعتماد البلاد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها النفطية من دول الخليج.
كما اتخذت الحكومة الإثيوبية إجراءات تقشفية، شملت تقنين الوقود وتشديد الرقابة على التهريب، إلى جانب مطالبة الموظفين العموميين بخفض التنقلات غير الضرورية، في محاولة لاحتواء الأزمة.
وفي إقليم تيغراي، وصف التقرير الوضع بأنه أكثر حدة، في ظل ندرة الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات قياسية، ما أدى إلى شلل جزئي في الخدمات العامة، وسط توترات أمنية متصاعدة.
أما في السودان، فأشار التقرير إلى ارتفاع كبير في تكاليف التأمين والنقل للسلع الطبية والإنسانية بنسبة تجاوزت 120%، مع تأثر شحنات الإغاثة القادمة عبر مراكز توزيع في الخليج، خصوصًا دبي، حيث تعطلت إمدادات موجهة لمئات الآلاف من الأطفال.
تهديد لسلاسل الإمداد الإنسانية
وحذرت منظمات إنسانية، بينها “أنقذوا الأطفال” و”لجنة الإنقاذ الدولية”، من أن اضطرابات النقل في الممرات البحرية أدت إلى تأخير وصول مساعدات طبية وغذائية أساسية إلى مناطق النزاع في السودان والصومال، في وقت تعتمد فيه هذه الدول بشكل كبير على واردات الغذاء والأسمدة من الخارج.
ويؤكد التقرير أن السودان يعد من أكثر الدول عرضة للخطر في هذا السياق، نظرًا لاعتماده الكبير على الإمدادات المستوردة في قطاعي الغذاء والزراعة.
تحولات في مسارات التجارة الإقليمية
وفي المقابل، يشير التحليل إلى أن الأزمة دفعت نحو إعادة توجيه بعض مسارات التجارة البحرية والجوية، ما قد يخلق فرصًا اقتصادية جديدة لدول مثل إثيوبيا وكينيا.
وسجل ميناء لامو الكيني ارتفاعًا غير مسبوق في حركة الشحن، مع زيادة بنسبة تجاوزت 1200% في الشحن العابر، نتيجة تحويل مسارات تجارية من الخليج إلى شرق إفريقيا، وهو ما قد يدر إيرادات إضافية تُقدَّر بمليارات الدولارات على المدى القصير.
كما استفادت شركات النقل الجوي، وعلى رأسها الخطوط الجوية الإثيوبية، من توسع نشاط الشحن بعد اضطرابات الرحلات الجوية في الخليج.
دور متزايد لدول الخليج وتنافس إقليمي
ويبرز التقرير الدور المحوري المتزايد لدول الخليج، خصوصًا السعودية والإمارات وقطر، في تمويل مشاريع البنية التحتية والاستثمار في الموانئ والزراعة والأمن داخل القرن الإفريقي.
غير أن اندلاع الحرب مع إيران أجبر هذه الدول على إعادة توجيه جزء كبير من مواردها نحو الداخل لتعزيز الأمن والدفاع، ما قد يحدّ من قدرتها على مواصلة نفس مستوى الانخراط الخارجي، رغم استمرار اهتمامها الاستراتيجي بالمنطقة.
كما أشار التقرير إلى استمرار التنافس بين السعودية والإمارات على النفوذ في القرن الإفريقي، رغم تراجع حدته مؤقتًا بفعل الحرب، لكنه يظل عنصرًا هيكليًا في تشكيل التوازنات الإقليمية.
تسليح غير مباشر وتعقيد الصراعات المحلية
وتناول التقرير أيضًا اتهامات متبادلة بشأن استمرار تدفق الأسلحة إلى بعض أطراف النزاع في
السودان وإثيوبيا، بما في ذلك رحلات شحن مشبوهة يُعتقد أنها تنقل معدات عسكرية، وهو ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراعات المحلية.
كما أشار إلى أن بعض القوى الإقليمية تستفيد من هذا التداخل في الصراعات لتعزيز نفوذها عبر دعم أطراف متنازعة، ما يطيل أمد النزاعات بدلاً من احتوائها.
تراجع الوساطات الدولية وتآكل قواعد النظام الدولي
وحذر التقرير من أن الحرب مع إيران أثرت سلبًا على جهود الوساطة الدولية في القرن الإفريقي، حيث تواجه المبادرات الدبلوماسية صعوبات متزايدة بسبب تضارب مصالح القوى الإقليمية والدولية، خاصة بين مصر والسعودية والإمارات.
كما اعتبر أن تكرار استخدام القوة في النزاعات الدولية، بالتوازي مع التدخلات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، يضعف من مصداقية النظام الدولي القائم على الوساطة والقانون الدولي، ويفتح المجال أمام “سوابق خطيرة” قد تشجع أطرافًا أخرى على تبني مقاربات مشابهة.













