مصر تتمسك بثوابتها في أزمة سد النهضة.. هل تنجح الوساطة الأمريكية في كسر الجمود؟

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصر تتمسك بثوابتها في أزمة سد النهضة.. هل تنجح الوساطة الأمريكية في كسر الجمود؟
روان محمود

تدخل أزمة سد النهضة الإثيوبي مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما أعلنت مصر رسمياً تمسكها بقرار وقف المفاوضات مع إثيوبيا، مؤكدة أن استئناف الحوار لن يتم إلا في إطار يضمن احترام القانون الدولي والتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق دولتي المصب، في وقت تتواصل فيه التحركات الأمريكية لإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض.

أكد وزير الموارد المائية والري المصري، هاني سويلم، أن القاهرة لا تجري أي مفاوضات حالياً مع الجانب الإثيوبي، مشيراً إلى أن مصر أوقفت المسار التفاوضي رسمياً منذ ديسمبر 2023، بعد سنوات من المباحثات التي لم تحقق تقدماً ملموساً.

وأوضح أن القرار يمثل “قرار دولة غير قابل للمساومة”، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بمراوغة الجانب الإثيوبي، والتراجع عن التفاهمات السابقة، وعدم الالتزام بالقانون الدولي أو المبادئ المنظمة لإدارة الأنهار الدولية.

ويعكس هذا الموقف تحولاً في الاستراتيجية المصرية، إذ باتت القاهرة تربط أي عودة للمفاوضات بتوافر ضمانات حقيقية لنجاحها، بدلاً من الدخول في جولات تفاوضية مفتوحة دون نتائج.

يرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، السفير الأسبق صلاح حليمة، أن القاهرة وضعت مجموعة من الشروط الأساسية قبل استئناف أي مفاوضات، أبرزها:

التزام إثيوبيا بالقانون الدولي واتفاقيات الأنهار الدولية.

وقف الإجراءات الأحادية المتعلقة بملء وتشغيل السد.

التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم إدارة السد.

وجود وسيط دولي قادر على ضمان تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه.

ويؤكد حليمة أن أي مفاوضات جديدة لن تحقق نتائج ما لم تغير إثيوبيا نهجها الحالي، وتعترف بأن نهر النيل الأزرق نهر دولي يخضع لقواعد الاستخدام المنصف وعدم الإضرار بدول المصب.

واشنطن تعود إلى خط الوساطة

يتزامن الموقف المصري مع تحرك أمريكي لإحياء المسار التفاوضي، حيث أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال لقائه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على هامش قمة مجموعة السبع في يونيو الماضي، أن ملف سد النهضة سيكون ضمن أولويات إدارته، معرباً عن رغبته في التوصل إلى تسوية عادلة للأزمة.

كما سبق أن بعث ترامب برسالة رسمية إلى السيسي مطلع العام الجاري، أبدى فيها استعداد واشنطن لاستئناف الوساطة، فيما أجرى كبير مستشاريه للشؤون الأفريقية مسعد بولس سلسلة لقاءات واتصالات مع مسؤولين مصريين وإثيوبيين لبحث فرص استئناف الحوار.

ويرى مراقبون أن الإدارة الأمريكية تحاول استثمار علاقاتها مع الطرفين لإعادة المفاوضات، مستفيدة من تجربتها السابقة عام 2020، عندما رعت مفاوضات شارك فيها البنك الدولي، قبل أن تنسحب إثيوبيا من الاتفاق في اللحظات الأخيرة.

الخيار الدولي لا يزال مطروحاً

ويؤكد خبراء أن استمرار الجمود قد يدفع القاهرة إلى إعادة طرح القضية أمام مجلس الأمن والأمم المتحدة، خاصة إذا تعرضت مصر والسودان لمخاطر مائية خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد.

وتستند القاهرة في ذلك إلى اعتبار أن أي إجراءات أحادية تؤثر في تدفقات نهر النيل تمثل تهديداً للأمن والسلم الإقليميين، وهو ما سبق أن أكدته في رسائل رسمية إلى مجلس الأمن عقب افتتاح السد.

الأمن المائي… قضية وجود

وفي موازاة الأزمة السياسية، استعرض وزير الري المصري حجم الضغوط التي تواجهها الموارد المائية في البلاد، موضحاً أن حصة مصر من مياه النيل لا تزال ثابتة عند 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، رغم تضاعف عدد السكان ليقترب من 120 مليون نسمة.

وأشار إلى أن نصيب الفرد من المياه تراجع من نحو 2000 متر مكعب سنوياً في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 500 متر مكعب حالياً، وهو ما يضع مصر ضمن الدول التي تعاني من الفقر المائي الحاد، وفق المعايير الدولية التي تحدد خط الفقر المائي عند ألف متر مكعب للفرد سنوياً.

ورغم الحراك الدبلوماسي الأخير، تبدو فرص استئناف المفاوضات مرهونة بمدى استعداد إثيوبيا لإبداء مرونة حقيقية بشأن قواعد تشغيل السد، وبقدرة الوسطاء الدوليين على توفير ضمانات لتنفيذ أي اتفاق مستقبلي.

وفي المقابل، تؤكد القاهرة أن حماية الأمن المائي المصري تظل أولوية استراتيجية لا يمكن التنازل عنها، وأن أي مسار تفاوضي جديد يجب أن يقوم على الالتزام بالقانون الدولي وتحقيق التوازن بين حق إثيوبيا في التنمية وحقوق دولتي المصب في الأمن المائي، بما يضمن تسوية عادلة ومستدامة لأحد أكثر الملفات حساسية في القارة الأفريقية.

الاخبار العاجلة