تركيا تتحول إلى منصة لتسليح الناتو.. صفقات بمليارات الدولارات تسبق قمة ترامب

منذ ساعتينآخر تحديث :
تركيا تتحول إلى منصة لتسليح الناتو.. صفقات بمليارات الدولارات تسبق قمة ترامب
تقرير: فاطمة خليفة

تحولت العاصمة التركية أنقرة إلى مركز لإطلاق مرحلة جديدة من خطط حلف شمال الأطلسي (الناتو) لتعزيز قدراته العسكرية، بعدما أعلن قادة الحلف، خلال منتدى الصناعات الدفاعية، عن سلسلة من صفقات التسليح والاستثمارات الدفاعية التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، في خطوة تعكس استجابة متزايدة للمطالب الأمريكية برفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي، وذلك قبل أيام من القمة المرتقبة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

حمل المنتدى، الذي أقيم بحضور كبار المسؤولين وقادة شركات الصناعات العسكرية، رسائل واضحة بشأن توجه الحلف خلال المرحلة المقبلة، في ظل ما يصفه مسؤولوه بتدهور البيئة الأمنية الدولية، والحاجة إلى تسريع وتيرة إنتاج السلاح وتطوير الصناعات الدفاعية داخل دول الحلف.

 

وفي كلمته خلال المنتدى، دعا الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إلى ما وصفه بـ”ثورة” في صناعة الدفاع داخل دول الحلف، محذرًا من أن التحديات الأمنية لم تعد تمنح الحلف الوقت الكافي للاستمرار بالوتيرة الحالية.

 

وقال روته: “ليس لدينا ترف الوقت. نحن بحاجة إلى القدرات الآن لضمان بقائنا على أهبة الاستعداد. الوضع الأمني يتطلب ذلك”، مضيفًا أن “هدير الآلات يجب أن يتحول إلى هدير مدوٍ”، في إشارة إلى ضرورة زيادة معدلات الإنتاج العسكري لمواكبة التهديدات المتصاعدة.

وربط الأمين العام للحلف هذه الدعوة باستمرار روسيا في رفع إنفاقها العسكري، إلى جانب تنامي القدرات العسكرية لكل من الصين وكوريا الشمالية وإيران، معتبرًا أن هذه التطورات تفرض على دول الناتو التحرك بصورة أسرع لتأمين احتياجاتها الدفاعية.

 

جاءت تصريحات روته خلال فعالية شهدت عرضًا بصريًا لعدد من المبادرات الدفاعية الجديدة، بينما ظهرت على شاشات المنتدى القيم الإجمالية للصفقات التي أعلن عنها تباعًا، في رسالة هدفت إلى إظهار حجم الاستثمارات التي يعتزم الحلف ضخها في قطاع الصناعات العسكرية خلال المرحلة المقبلة.

 

تأتي هذه التحركات قبل القمة المرتقبة لقادة الناتو، التي يشارك فيها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بعدما واصل انتقاداته للدول الأوروبية بسبب ما يعتبره ضعف مساهماتها الدفاعية واعتمادها المفرط على الولايات المتحدة في حماية القارة. 

 

كرر ترامب هذه الرسالة في مقطع فيديو نشره عبر منصة “تروث سوشيال” دعا فيه الحلفاء الأوروبيين إلى زيادة إنفاقهم العسكري وتحمل مسؤولية أكبر في الدفاع عن أنفسهم.

 

وتزامن انعقاد القمة مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تركيا، حيث من المقرر أن يعقد مباحثات مع الرئيس رجب طيب أردوغان، يتوقع أن يتصدرها ملف التعاون الدفاعي بين البلدين. 

 

ويأتي ذلك بعد إعلان الإدارة الأمريكية المضي في صفقة لتوريد محركات مقاتلات إلى تركيا بقيمة تتجاوز 700 مليون دولار، في خطوة تستهدف تعزيز قدرات سلاح الجو التركي. 

 

كما تواصل واشنطن دراسة رفع الحظر المفروض على بيع مقاتلات “إف-35” لأنقرة، بما قد يمهد لإعادتها إلى برنامج المقاتلة الذي استُبعدت منه عقب شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية “إس-400”. 

 

غير أن هذا المسار لا يزال يواجه عقبات، في ظل اعتراضات داخل الكونجرس الأمريكي، إلى جانب تحفظات إسرائيلية ترى أن امتلاك تركيا للمنظومة الروسية يثير مخاوف تتعلق بأمن التكنولوجيا العسكرية الخاصة بالمقاتلة الأمريكية. 

 

وبذلك، تبدو أنقرة، التي استضافت منتدى الصناعات الدفاعية، قد تحولت إلى منصة انطلقت منها رسائل مزدوجة؛ الأولى موجهة إلى شركات الصناعات العسكرية لحثها على تسريع الإنتاج، والثانية إلى الحلفاء الغربيين للتأكيد على أن الناتو يسعى إلى الدخول في المرحلة المقبلة بقدرات دفاعية أكبر واستثمارات عسكرية أوسع، في ظل بيئة أمنية يعتبرها أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

 

على الصعيد الأوروبي أكد “مارك روته” أن الدول الأوروبية وكندا رفعت إنفاقها الدفاعي بصورة “مذهلة”، مدفوعة بالمخاوف الأمنية المتزايدة وبالضغوط الأمريكية.

 

وكشف أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي والكندي ارتفع خلال عام 2025 بنحو 90 مليار دولار مقارنة بالعام السابق، ليصل إجمالي الإنفاق إلى أكثر من 570 مليار دولار.

 

ترجمت الدعوات  والمبادرات السياسية إلى صفقات وبرامج تصنيع جديدة، وإن كانت معظم تفاصيلها أبقيت طي الكتمان تمهيدًا للإعلان عنها خلال قمة الناتو. 

 

وشملت الاتفاقيات شراء دول أوروبية طائرات مسيّرة للمراقبة من شركة نورثروب جرومان الأمريكية، إلى جانب تعاقد الحلف على شراء طائرات من شركة ساب السويدية، في خطوة تعكس توجهاً لتعزيز قدرات المراقبة والاستطلاع داخل الحلف.

 

وانعكس هذا الزخم سريعًا على الأسواق، بحسب ما أوردته وكالة “رويترز” إذ تصدر سهم شركة “ساب” قائمة أكبر الرابحين في البورصات الأوروبية، بعدما قفز بأكثر من 5%، مدفوعًا بتوقعات المستثمرين باستفادة الشركة من موجة إعادة تسليح أوروبا، بينما رفعت مؤسسة مورغان ستانلي تصنيف السهم، في إشارة إلى الرهان على اتساع الإنفاق الدفاعي خلال السنوات المقبلة.

 

وفي تطور آخر، وقعت شركتا لوكهيد مارتن الأمريكية وراينميتال الألمانية مسودة اتفاق لإنتاج صواريخ ATACMS بصورة مشتركة داخل ألمانيا، وهي خطوة تعد الأولى من نوعها لتصنيع هذا النوع من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى خارج الولايات المتحدة، بما يعكس اتجاهاً لتوسيع قاعدة التصنيع العسكري داخل أوروبا بدلًا من الاكتفاء بالاستيراد.

 

كما أعلن الأمين العام للناتو أن الدول الأعضاء ستستثمر أكثر من 40 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة لتعزيز قدراتها في مواجهة الطائرات المسيّرة، في ظل تنامي الاعتماد على هذا النوع من الأسلحة في النزاعات الحديثة، واعتباره أحد أبرز التحديات التي تواجه جيوش الحلف.

 

الرسائل لم تقتصر على الحكومات، إذ وجه روته نداءً مباشرًا إلى شركات الصناعات الدفاعية الغربية، داعيًا إياها إلى زيادة استثماراتها وتوسيع خطوط الإنتاج، مقابل التزام الحكومات بإبرام عقود شراء طويلة الأجل تضمن استقرار الطلب وتشجع الشركات على رفع طاقتها الإنتاجية.

 

وقال إن تحقيق هذا الهدف يتطلب أيضًا توفير بيئة تنظيمية واقتصادية تسمح بازدهار قطاع الصناعات الدفاعية، بما يضمن تلبية احتياجات الحلف في أسرع وقت ممكن.

 

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا داخل الناتو بأن التحدي لم يعد يقتصر على امتلاك منظومات تسليح متطورة، وإنما يمتد إلى القدرة على إنتاجها بكميات كافية وفي فترات زمنية قصيرة، وهو ما جعل ملف الصناعات الدفاعية يحتل موقعًا متقدمًا على جدول أعمال الحلف.

 

وفي الوقت نفسه، سلط المنتدى الضوء على واحدة من أبرز المشكلات التي تواجه قطاع الدفاع الأوروبي، والمتمثلة في تشتت الصناعات العسكرية بين عدد كبير من الشركات والدول، إلى جانب تعقيدات الإجراءات البيروقراطية والمنافسة الداخلية، وهي عوامل يقول مسؤولون إنها حدّت من قدرة أوروبا على تطوير قاعدة صناعية موحدة وقوية.

 

ويرى الحلف أن هذه التحديات دفعت العديد من الدول الأوروبية إلى الاعتماد بصورة أكبر على شراء الأسلحة من الولايات المتحدة، بدلًا من تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية، وهو ما تسعى المبادرات الجديدة إلى معالجته عبر زيادة الإنتاج داخل دول الناتو نفسها.

الاخبار العاجلة