معارك الحياة والبشر (٢-٥)

فن التعامل مع التافهين.. لا تمنحهم أكثر مما يستحقون

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

في هذه السلسلة أحاول أن أشارك القارئ بعض الدروس التي تعلمناها من تجارب الحياة في التعامل مع أنماط مختلفة من البشر، وكيف نحافظ على وقتنا وطاقتنا النفسية ونواصل مسيرتنا دون أن نستنزف أنفسنا في معارك لا تستحق أن تُخاض.

في حياة كل إنسان أشخاص يستهلكون من الوقت والجهد والطاقة أكثر مما يستحقون. لا لأنهم أصحاب قضايا مهمة أو أفكار عميقة، بل لأنهم بارعون في تحويل الأمور الصغيرة إلى أزمات، والتفاصيل الهامشية إلى معارك، والكلمات العابرة إلى خلافات لا تنتهي.

والحقيقة أن التافه ليس بالضرورة شخصا ََ قليل الذكاء، فالتفاهة ليست نقصا ََ في العقل بقدر ما هي خلل في ترتيب الأولويات .. إنها الانشغال بما لا يستحق، والاهتمام بما لا يضيف قيمة، وإهدار الوقت في أمور لا تغير واقعا ََ ولا تبني معرفة ولا تصنع مستقبلًا.

ومن يتأمل كثيرا ََ من النقاشات والخلافات التي تدور حولنا سيكتشف أن جزءا ََ كبيرا ََ منها لم يكن ليستحق أصلا ََ أن يبدأ .. لكن بعض الناس يمتلكون قدرة عجيبة على جرّ الآخرين إلى دوائر الجدل العقيم والصراعات الصغيرة والمهاترات التي لا ينتج عنها سوى التوتر وإضاعة الوقت.

ولعل أخطر ما يفعله التافهون أنهم يحاولون فرض أجندتهم على الجميع; فهم يريدون من الآخرين أن ينشغلوا بما ينشغلون به، وأن يغضبوا لما يغضبون له، وأن يخوضوا معهم معارك لا قيمة لها. وهنا يقع كثير من العقلاء في الفخ حين يمنحون هذه الأمور من وقتهم واهتمامهم أكثر مما تستحق.

إن الحكمة لا تعني الرد على كل كلمة، ولا التعليق على كل موقف، ولا الدخول في كل جدال .. بل إن من علامات النضج أن يدرك الإنسان أن بعض الأمور تموت إذا تجاهلناها، وأن بعض الأشخاص يفقدون تأثيرهم عندما لا يجدون من يغذي ضجيجهم بالاهتمام والانفعال.

وليس المقصود بالتجاهل هنا التعالي على الناس أو احتقارهم، وإنما إدارة الانتباه بحكمة .. فكما يختار الإنسان ما يأكله حفاظا ََ على صحته، عليه أيضا ََ أن يختار ما يشغل به عقله وما يسمح له بالدخول إلى مساحة تفكيره ومشاعره.

لقد علمتنا الحياة أن الوقت مورد محدود لا يمكن تعويضه، وأن الطاقة النفسية أثمن من أن تُهدر في متابعة كل تافه أو الرد على كل مستفز أو تصحيح كل خطأ يمر أمامنا .. فهناك دائما ََ أهداف أكبر تستحق التركيز، وأفكار أعمق تستحق التأمل، وأعمال أكثر فائدة تستحق الجهد.

ومن المفارقات أن التافهين ينجحون أحيانا ََ في فرض حضورهم لا بسبب أهميتهم، بل بسبب كثرة من يمنحونهم الاهتمام .. لذلك فإن أفضل طريقة للتعامل مع كثير منهم ليست المواجهة المستمرة، بل الحرمان من الوقود الذي يعيشون عليه وهو الاهتمام الزائد.

وفي النهاية، فإن قيمة الإنسان لا تتحدد فقط بما يفعله، بل بما يختار ألا ينشغل به أيضا ََ .. فالعاقل يعرف أن الحياة أقصر من أن تضيع بين صغائر الأمور، وأن النجاح والسكينة وراحة البال لا يجتمعون مع الانشغال الدائم بالتوافه.

لهذا فإن فن التعامل مع التافهين يبدأ من قاعدة بسيطة: لا تمنحهم من وقتك أو فكرك أو مشاعرك أكثر مما يستحقون، فبعض الأشياء تكبر بالاهتمام .. وتصغر حين نضعها في حجمها الحقيقي.

الاخبار العاجلة