
بقلم: مصطفى زكريا
في هذه السلسلة أحاول أن أشارك القارئ بعض الدروس التي تعلمناها من تجارب الحياة في التعامل مع أنماط مختلفة من البشر، وكيف نحافظ على وقتنا وطاقتنا النفسية ونواصل مسيرتنا دون أن نستنزف أنفسنا في معارك لا تستحق أن تُخاض.
من الظواهر الإنسانية اللافتة أن بعض الناس يتغيرون بصورة ملحوظة بمجرد حصولهم على قدر محدود من السلطة. قد تكون وظيفة بسيطة، أو موقعًا إداريًا متواضعًا، أو صلاحية محدودة في مؤسسة ما، لكنهم يتعاملون معها وكأنها تفويض مطلق يمنحهم حق التعالي على الآخرين أو فرض إرادتهم عليهم.
والحقيقة أن المشكلة ليست في السلطة نفسها، كبيرة كانت أم صغيرة، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معها. فالسلطة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا، وتكليف قبل أن تكون تشريفًا، واختبار للأخلاق قبل أن تكون وسيلة لإصدار الأوامر.
ولعلنا جميعًا صادفنا في مراحل مختلفة من حياتنا نماذج من هؤلاء الأشخاص. أفراد يتعاملون مع المراجعين أو الزملاء أو المواطنين بقدر من الجفاء والاستعلاء لا يتناسب مع طبيعة مواقعهم أو حجم مسؤولياتهم. وكأن المنصب الصغير قد منحهم فرصة طال انتظارها لإثبات الذات أو تعويض شعور دفين بالنقص أو الحرمان من التقدير.
ومن هنا يمكن فهم سر المفارقة العجيبة التي نراها كثيرًا؛ فكلما صغر حجم السلطة لدى بعض الأشخاص، ازداد استعراضها. بينما نجد في المقابل أن كثيرًا من أصحاب المواقع الكبيرة والنفوذ الحقيقي يتعاملون بتواضع واتزان واحترام للآخرين، لأن ثقتهم بأنفسهم لا تحتاج إلى مظاهر أو استعراض.
فالإنسان الواثق من نفسه لا يشعر بالحاجة إلى تذكير الآخرين بمكانته كل لحظة، ولا يفتش عن فرص لإظهار سلطته، ولا يخلط بين الاحترام الذي يستحقه المنصب وبين الاحترام الذي يستحقه الإنسان بأخلاقه وسلوكه. أما من يعاني اضطرابًا في تقدير ذاته، فقد يرى في أي صلاحية محدودة فرصة لإثبات وجوده من خلال التحكم في الآخرين أو التضييق عليهم أو إشعارهم بأنه صاحب القرار.
والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات لا تسيء إلى أصحابها فقط، بل تسيء أيضًا إلى المؤسسات التي يعملون بها. فالمواطن أو المتعامل العادي لا يفرق دائمًا بين سلوك الفرد وصورة المؤسسة، ولذلك فإن تصرفًا متعجرفًا من موظف واحد قد يترك انطباعًا سلبيًا عن جهة كاملة.
ولهذا فإن المؤسسات الناجحة لا تكتفي باختيار الأكفأ فنيًا، بل تهتم أيضًا ببناء ثقافة احترام الإنسان، وترسيخ مفهوم أن السلطة وسيلة لخدمة الناس لا للتسلط عليهم، وأن المنصب الحقيقي يُقاس بما يقدمه صاحبه من قيمة، لا بما يفرضه من هيبة مصطنعة.
لقد أثبتت التجارب أن النفوذ المؤقت يزول، والمناصب تتغير، والكراسي لا تدوم لأحد. وما يبقى في ذاكرة الناس ليس حجم السلطة التي امتلكها الإنسان، بل الطريقة التي استخدمها بها. فكم من مسؤول كبير رحل وبقيت له المحبة والاحترام، وكم من صاحب سلطة محدودة ترك خلفه ذكرى سيئة بسبب سوء معاملته للناس.
وفي النهاية، فإن قيمة الإنسان لا يصنعها كرسي يجلس عليه، ولا توقيع يملكه، ولا صلاحية مؤقتة مُنحت له، بل يصنعها معدنه الحقيقي وأخلاقه وسلوكه عندما يمتلك القدرة على التأثير في حياة الآخرين.
فالمشكلة لم تكن يومًا في صغر المنصب… بل في صغر النفس التي تختبئ خلفه.
