«فوكستروت».. عصابة سويدية تجنّد مراهقين لتنفيذ جرائم قتل مرتبطة بإيران في أوروبا

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
«فوكستروت».. عصابة سويدية تجنّد مراهقين لتنفيذ جرائم قتل مرتبطة بإيران في أوروبا
تقرير: فاطمة خليفة:

كشفت قضية إدانة مراهق نرويجي في بريطانيا عن شبكة عابرة للحدود تجمع بين الجريمة المنظمة وعمليات القتل المأجورة، بعدما خلصت محكمة بريطانية إلى تورط “يوهانس كونجسنس ناتلاند” في مؤامرة لتنفيذ عملية قتل لحساب شبكة «فوكستروت» الإجرامية السويدية، التي تقول السلطات البريطانية إن لها صلات بالنظام الإيراني.

 

وأدين “ناتلاند”، البالغ 19 عامًا، الأربعاء في محكمة “أولد بيلي” في لندن بالتآمر للقتل، بعدما سافر من النرويج إلى بريطانيا في مارس 2025 لتنفيذ عملية اغتيال مقابل 25 ألف يورو، وفق ما استمعت إليه المحكمة. 

 

وكان قد أوقف بعد يومين من وصوله إلى بريطانيا داخل فندق في هدرسفيلد، حيث عثرت الشرطة بحوزته على مسدسين وذخيرة.

 

ولم تحدد السلطات حتى الآن هوية الشخص الذي كان يفترض أن يكون هدفًا للعملية، لكن النيابة البريطانية قالت إن الرسائل التي جرى ضبطها خلال التحقيق تظهر أن ناتلاند كان يعلم أنه ذاهب إلى بريطانيا لتنفيذ عملية قتل.

 

وتعود الخيوط إلى «فوكستروت»، وهي شبكة إجرامية سويدية ارتبط اسمها على مدى سنوات بجرائم عنف وتجارة المخدرات، قبل أن تتحول إلى موضع اهتمام أمني أوروبي بسبب اتهامات باستخدامها في تنفيذ عمليات عنف ذات صلة بإيران.

 

من عصابة مخدرات إلى شبكة عابرة للحدود

تقول السلطات البريطانية إن «فوكستروت» شبكة إجرامية منظمة لها صلات بالحكومة الإيرانية، وإنها استُخدمت في أعمال عنف استهدفت مصالح يهودية وإسرائيلية في أوروبا.

 

وفرضت بريطانيا عقوبات على الشبكة وزعيمها روا ماجد، فيما أدرجتها الولايات المتحدة أيضًا على قوائم العقوبات، على خلفية أنشطة إجرامية واتهامات بارتباطها بعمليات تستهدف مصالح إسرائيلية ويهودية في أوروبا.

 

ويعتقد أن ماجد موجود في إيران، بعدما فر من السويد، وهو ما جعل اسمه محوريًا في التحقيقات الأوروبية المتعلقة بالصلة بين الجريمة المنظمة والعمليات التي يشتبه في أن لها دوافع سياسية.

 

لكن طبيعة هذه الصلة تظل موضع تدقيق؛ فبينما تقول السلطات البريطانية إن الشبكة استخدمت من جانب النظام الإيراني، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل عمليات «فوكستروت» مرتبطة بإيران، إذ تظل الشبكة في الأساس جماعة إجرامية لها نشاط واسع في الجريمة المنظمة.

 

مراهقون بدلًا من محترفي الاغتيال

تكشف قضية “ناتلاند” جانبًا لافتًا في أسلوب عمل الشبكة، يتمثل في الاعتماد على شبان صغار السن لتنفيذ العمليات.

 

وبحسب ما ورد في المحاكمة، جرى تجنيد “ناتلاند” عبر سلسلة من الوسطاء الشباب، وعُرض عليه مبلغ 25 ألف يورو لتنفيذ عملية القتل.

 

وكان شخص يستخدم اسم “العميل 47”  هو المسؤول عن تنسيق العملية، بحسب الأدلة التي عرضتها النيابة أمام المحكمة، بينما كان شخص آخر يعرف باسم “الجنرال” متورطًا في تجنيد المنفذين.

 

وتشير القضية إلى نموذج جديد في الجريمة المنظمة الأوروبية، حيث لا تحتاج الشبكات إلى إرسال قتلة محترفين عبر الحدود؛ إذ يمكنها استقطاب شبان عبر الإنترنت، وتزويدهم بالمال والأسلحة والتعليمات، ثم تركهم في مواجهة أجهزة الأمن بعد التنفيذ.

 

وتحدثت التحقيقات الأوروبية عن ظاهرة «العنف كخدمة» (VaaS)، التي تقوم على استئجار منفذين لتنفيذ عمليات عنف لحساب جهات أخرى، في نموذج يجعل الجريمة أكثر مرونة وأصعب في التتبع.

 

«فوكستروت» تحت المجهر الأوروبي

لم تعد القضية مقتصرة على السويد أو بريطانيا، إذ تتابع أجهزة أمن أوروبية ظاهرة تجنيد منفذين صغار السن لتنفيذ جرائم عابرة للحدود.

 

وتعمل فرقة “جريم” التابعة لـ«يوروبول» على مواجهة هذا النوع من الجرائم، بمشاركة 11 دولة أوروبية، بينها بريطانيا والسويد والنرويج والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهولندا وإسبانيا وبلجيكا وفنلندا وآيسلندا.

 

ويعكس ذلك اتساع نطاق الظاهرة من جرائم العصابات التقليدية إلى نمط أكثر تعقيدًا، يمكن فيه أن يتم التجنيد في دولة، وتوفير الأسلحة في دولة ثانية، ثم إرسال المنفذ إلى دولة ثالثة لتنفيذ الجريمة.

 

لماذا يثير الملف قلق أوروبا؟

تكمن خطورة «فوكستروت» بالنسبة إلى الأجهزة الأوروبية في تقاطع ثلاثة مسارات: الجريمة المنظمة، والتجنيد الإلكتروني، والاتهامات باستخدام شبكات إجرامية لتنفيذ عمليات ذات أهداف سياسية.

 

وتزداد حساسية الملف بسبب وجود زعيم الشبكة في إيران، والعقوبات البريطانية والأميركية المفروضة عليها، والاتهامات المتعلقة باستهداف مصالح إسرائيلية ويهودية في أوروبا.

 

في المقابل، فإن عدم تحديد الهدف الذي كان “ناتلاند” يستعد لقتله يترك سؤالًا مهمًا مفتوحًا حول طبيعة العملية التي كان سيشارك فيها: هل كانت جريمة قتل مأجورة مرتبطة بنشاط إجرامي، أم عملية ذات دوافع سياسية؟

 

وهذا السؤال تحديدًا يوضح سبب اهتمام أجهزة مكافحة الإرهاب الأوروبية بالشبكة؛ إذ إن الحدود بين الجريمة المنظمة والعمل الذي قد يخدم أهدافًا سياسية أصبحت أكثر ضبابية، خصوصًا عندما تكون الشبكات قادرة على تجنيد مراهقين لا يملكون خبرة إجرامية كبيرة وتحويلهم إلى منفذين في غضون أيام.

 

اختبار جديد للأمن الأوروبي

تكشف قضية “ناتلاند” أن التحدي لم يعد فقط في ملاحقة قادة العصابات، بل في تفكيك منظومة كاملة تبدأ من التجنيد الإلكتروني وتنتهي بعمليات قتل أو تخطيط لها عبر حدود عدة دول.

 

كما تضع القضية الحكومات الأوروبية أمام معضلة مزدوجة: كيف تتعامل مع شبكات إجرامية تعمل بمنطق تجاري، لكنها قد تستخدم في الوقت نفسه لتنفيذ عمليات تخدم أجندات سياسية خارجية؟

 

وبينما تواصل الأجهزة الأوروبية التحقيق في نشاط «فوكستروت» وصلاتها المزعومة بإيران، فإن إدانة “ناتلاند” تقدم نموذجًا واضحًا لطريقة عمل هذا النوع من الشبكات: منفذ صغير السن، سلاح مخبأ، أموال جاهزة، وتعليمات تصل عبر الهاتف، بينما تبقى الجهة التي تقف خلف العملية بعيدة عن موقع الجريمة.

 

وهنا تكمن المفارقة الأخطر؛ فكلما أصبح تنفيذ العنف أسهل وأرخص وأكثر اعتمادًا على شبكات التواصل، أصبحت أوروبا أمام سوق عابرة للحدود يمكن فيها تحويل مراهق إلى قاتل مأجور قبل أن تتمكن أجهزة الأمن من تحديد من أصدر الأمر.

الاخبار العاجلة