
بقلم: د.آمال بوحرب
رؤية نقدية لقصيدة “عشبة الضوء الأخيرة” للشاعرة العراقية زينب غسان البياتي
___________________________________________________________________
في غربة الزحمة
حيث الفراغات تضع أعذارها كحجارة في طريق العابرين
وحيث القلب يلتفت خلفه ليبحث عن سكون ضائع
بين شهقة ليل وارتباك نجمة
تولد نظرة
تستعير من عتمة الأفق نبوءة خذلان
وتداري ارتجافة ناعمة
كأنها اعتذار اللحظات المنسية.
نظرة
تهوي مثل زجاج مكسور
تتشظى بملحة لمس
لا يجيد غير فض أسرار الحواس
ثم تلتئم بلذعة غفوة
توقظ جرحًا في خاصرة الصمت
فتبدو كطوفان
يتردد أن يجاري البحر
لأن البحر لا يعرف العذر
ولا يتقن سوى الغرق.
هناك
في وشاح هش انسدل على كتف ظل
تعثر بخفة يد
كانت بذور صبية تتلمس الطريق إلى عشبة ضوء
وتخشى أن تلمسها العتمة
فتلوذ بلحظة فرح مختنق
تارة يذوب بألم
وتارة أخرى يختنق بضحكة بلا ملامح.
ثم
في ازدحام الصهيل
حيث يجاور الموت حياة غير مكتملة
يطل جلجامش من أمسيته البعيدة
ويمد يده من ملحمة إلى وسادة شعر
وسادة كانت رأسًا ثانيًا للسماء
تتوسد بين ثواني الأنا
وتشتعل بإعصار لوعة
يتحول إلى مطر مشتهى
مطر يبحث عن صدر صباح
بلا غزلتين
وبلا شموخ زيتون
وبلا كلمة تعثر بها لسان الخلود.
كل شيء هنا
يتردد في البوح
الكلمة تقف عند الحرف الرابع خجلى
تخشى أن تكمل خطوتها
والحرف نفسه
يحمل غربة أكثر اتساعًا من نص
أكثر فجيعة من قصيدة
وأكثر وحدة من شاعر
يتعقب ظله في مرآة بلا زجاج.
يا لهذه الغربة
غربة تصنع من الزحمة معبدًا
ومن المعبد منفى
ومن المنفى قصيدة
تمشي على أطراف حروف متعبة
وتصرخ كأنها تنادي نهرًا
يعرف إن كان قد عاد إلى مجراه
أم غرق في نفسه.

يعد الشعر العربي الحديث الذي نشأ في أوائل القرن العشرين تحولًا جذريًا في التعبير الأدبي، مستلهمًا من التأثيرات الغربية مثل الرومانسية والرمزية، مع الحفاظ على جذور عربية عميقة. يتميز هذا الشعر بتجديد الشكل كالتحرر من القافية التقليدية نحو الشعر الحر أو التفعيلة، كما أرسى أسسه شعراء مثل نازك الملائكة في ديوانها «عاشقة الليل» وبدر شاكر السياب في «أساطير». في المضمون يركز على هموم الإنسان المعاصر مثل الاغتراب الوجودي والقلق من الحروب والبحث عن الحرية والانتماء، مع لجوء إلى الرمز والأسطورة لاستكشاف أعماق النفس والكون. على سبيل المثال، يستخدم السياب في «أنشودة المطر» – التي اعتبرت أفضل قصيدة عربية في القرن العشرين – المطر رمزًا للخصب والأمل في مواجهة الجفاف والخراب قائلاً: «عيناك غابتا نخيل ساعة السحر، أو شرفتان تطلعان على البحر»، معتمدًا على الأساطير البابلية ليجسد الصراع الإنساني. كذلك يعكس أدونيس في قصائده مثل «قبر من أجل نيويورك» الاغتراب الحضاري، بينما يغوص محمود درويش في «سجل أنا عربي» في المنفى والفقدان قائلاً: «سجل أنا عربي، ورقم بطاقتي خمسون ألف»، مشددًا على الهوية المفقودة في زمن الصراعات. هذا الاتجاه يتجلى في استخدام الأسطورة كملحمة جلجامش لاستكشاف الموت والخلود، كما في أعمال عبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة، حيث تصبح الأسطورة أداة للتعبير عن الجروح النفسية والوجودية، ممهدة لقراءة قصيدة د. آمال بوحرب في سياقها.
في هذا السياق تقدم قصيدة زينب المؤرخة في ستة عشر أغسطس ألفين وخمسة وعشرين لوحة شعرية مكثفة، تغوص في أعماق الاغتراب الوجودي، حيث تتحول عشبة الضوء الأخيرة إلى رمز مركزي يجسد البحث عن بريق أمل هش في مواجهة الفراغ والعتمة، مستلهمة من الأسطورة السومرية كما في شعر السياب. من منظور فلسفي تتردد في النص أصداء الوجودية مع لمسات من ملحمة جلجامش كرمز للصراع الأبدي ضد الموت والفقدان، بينما نفسيًا تكشف القصيدة عن طبقات اللاوعي الجمعي والفردي في رمزية الظلال والأنا، وفي الارتجافات المكبوتة والجروح الدفينة. سنقرأ النص خطوة بخطوة، مركزين على رموزه الرئيسية ودلالاتها المزدوجة، لنكتشف كيف يبني الشاعر عالمًا داخليًا يعكس الواقع الخارجي.
1 الاغتراب في الزحمة، الفراغ كحجر عثرة وجودي:
تبدأ القصيدة في غربة الزحمة حيث الفراغات تضع أعذارها كحجارة في طريق العابرين، مقدمة الاغتراب كحالة جماعية في عالم مزدحم يفقد فيه الفرد سكونه. فلسفيًا يذكر هذا بالوجود عبئًا ثقيلًا، والفراغات أعذارًا تبرر عدم التواصل الحقيقي، بينما نفسيًا يمثل القلب الذي يلتفت خلفه ليبحث عن سكون ضائع بحثًا عن الذات المفقودة في اللاوعي، كما في مفهوم الظل الذي يطارد الإنسان في الزحمة. النظرة التي تولد هنا لحظة إدراك وجودي، تستعير من عتمة الأفق نبوءة خذلان، ترمز إلى الوعي بالعبث حيث يصبح الخذلان نبوءة ذاتية، والارتجافة الناعمة كاعتذار اللحظات المنسية تكشف عن آلية دفاع نفسية، حيث يداري الإنسان جروحه بالنسيان، لكنها توقظ جرحًا في خاصرة الصمت، ممهدة للتشظي اللاحق.
2 التشظي والالتئام:
في نظرة تهوي مثل زجاج مكسور تتشظى بملحة لمس، يتحول الزجاج المكسور إلى استعارة للذات المتشظية عن الكسر كطريق للولادة الجديدة، لكن الالتئام يأتي بلذعة غفوة توقظ الجرح، مما يعكس نفسيًا دورة الاكتئاب والإنكار. اللمس يجيد فض أسرار الحواس، يمثل الغريزة الحسية كقوة مدمرة ومعيدة بناء، كما في نظرية الطاقة المكبوتة. الطوفان الذي يتردد أن يجاري البحر يرمز إلى الصراع مع اللانهائي، البحر كرمز للعدم يعرف العذر ويتقن الغرق، دلالة على الالتقاء الشامل أمام الموت، وهنا تبرز عشبة الضوء كأمل للاندماج، لكنها مهددة بالعتمة، مما يربط الجرح الشخصي بالفقدان الأسطوري.
3 البراءة المفقودة والأمل الهش:
بذور صبية تتلمس الطريق إلى عشبة ضوء وتخشى أن تلمسها العتمة، هذا الرمز المركزي يجسد الطفولة الداخلية بحثًا عن نور في الظلام. فلسفيًا يتردد صدى ملحمة جلجامش الذي يبحث عن عشبة الخلود في أعماق البحر ليفقدها في النهاية لصالح حكمة الموت. الفرح المختنق الذي يذوب بألم أو يختنق بضحكة بلا ملامح يكشف عن تناقض الأنا بين الوعي واللاوعي، والوشاح الهش على كتف ظل يمثل الذات الظليلة، واليد الخفيفة كلمسة مصيرية تعثر الظل، دلالة على هشاشة الوجود، مما يعزز الربط بين البراءة والفقدان الأبدي.
4 الرؤية الملحمية في الشعر:
يطل جلجامش من أمسيته البعيدة ويمد يده من ملحمة إلى وسادة شعر، محولًا الملحمة القديمة إلى وسادة حديثة للسماء، رمز للأحلام واللاوعي، والوسادة كرأس ثانٍ للسماء تشير إلى ازدواجية الأنا. والإعصار الذي يتحول إلى مطر مشتهى يعكس فلسفة التغير حيث يصبح الألم مطرًا خصبًا، لكنه بلا غزلتين أو شموخ زيتون، رموز شرقية للخصب والصمود، مما يؤكد الفقدان الثقافي في المنفى. المطر يبحث عن صدر صباح بلا كلمة تعثر بها لسان الخلود، دلالة على عجز اللغة عن احتواء الخلود، مما يمهد لأزمة اللغة في الفقرة التالية.
5 غربة اللغة والمشاعر:
الكلمة تقف عند الحرف الرابع خجلى، هنا تتحول اللغة إلى كيان حي يتردد في البوح، رمزًا للعجز الإنساني أمام التعبير. فلسفيًا يذكر باللغة بيت الكينونة، لكنها هنا غربة أكثر اتساعًا من نص، أكثر فجيعة من قصيدة، وأكثر وحدة من شاعر يتعقب ظله في مرآة بلا زجاج. غربة تصنع من الزحمة معبدًا، ومن المعبد منفى، ومن المنفى قصيدة تمشي على أطراف حروف متعبة، وتصرخ كأنها تنادي نهرًا يعود إلى مجراه أو يغرق في نفسه.
6 مواجهة العبث والموت في ضوء القصيدة:
يتجلى البعد الوجودي في القصيدة كصراع أساسي مع العبث والموت، حيث يتحول الاغتراب إلى حالة كينونية أصيلة تجبر الإنسان على مواجهة حريته ومسؤوليته عن معنى وجوده. يتجلى ذلك في عشبة الضوء الأخيرة كرمز للأمل الذي يُسرق دائمًا كما في ملحمة جلجامش، مما يقارب أسطورة سيزيف عند ألبير كامو حيث يدحرج الإنسان الصخرة إلى الأعلى لتتدحرج من جديد، معلنًا أن يجب أن نتخيل سيزيف سعيدًا رغم العبث. كما يتردد صدى جان بول سارتر في مفهوم الوجود يسبق الجوهر، إذ يصبح الإنسان محكومًا بحريته في عالم يحمل معنى متغيرًا. فالنظرة تهوي مثل زجاج مكسور تعكس القلق الوجودي أمام الفراغ والخذلان الذاتي، أما مارتن هيدغر فيؤكد في «الكينونة والزمان» على الكائن في العالم مع الآخرين، لكن القصيدة تحول الزحمة إلى غربة تحول دون الأصالة. فالكلمة تقف عند الحرف الرابع خجلى تعبر عن اضطراب اللغة وهشاشتها، وهكذا يجمع النص بين القلق الوجودي والدعوة إلى خلق معنى عبر الشعر كفعل مقاومة للتحلل.
7 القراءة الفنية للقصيدة:
تتبنى القصيدة شكل الشعر الحر دون قافية ثابتة أو وزن تقليدي، مما يمنحها حركة داخلية تشبه نبض القلب المتسارع في الزحمة، والسطور القصيرة والمتفاوتة الطول مثل «نظرة» أو «ثم» تعمل كفواصل تنفسية تحاكي الارتجاف النفسي وتكسر الإيقاع لتعكس حالة التشظي، بينما الفراغات البيضاء بين الأبيات – حجارة في طريق العابرين كما تقول الشاعرة – فتصبح جزءًا من المعنى البصري يجسد الفراغ الذي يهدد الذات. وهذا الشكل يذكر بتجارب السياب في «أنشودة المطر» حيث يتحرر الإيقاع ليعبر عن الفوضى الداخلية، لكنه هنا أكثر كثافة وتركيزًا على اللحظة الواحدة، مما يمهد للاستعارة المركزية التي تبنى عليها البنية كلها.
عشبة الضوء الأخيرة لم تكن مجرد عنوان ولكنها قلب القصيدة فنيًا، إذ تحول الشاعرة النبات الأسطوري من ملحمة جلجامش إلى كيان حي يتنفس في الظلام، بصريًا كضوء خافت يكافح العتمة كما في «بذور صبية تتلمس الطريق إلى عشبة ضوء»، وحسيًا كلمسة ناعمة مهددة بالتلاشي وتخشى أن تلمسها العتمة، ووجوديًا كأمل يولد من الفقدان نفسه كما في التحول من الإعصار إلى مطر مشتهى. وهذه الاستعارة تتطور عبر القصيدة من بذرة إلى نبات إلى ضوء إلى بوح، مما يشكل منحنى دراميًا داخليًا يشبه دورة حياة الإنسان ويربط الشكل بالصورة في نسيج متماسك.
تسيطر الصور البصرية المشظاة على النص، فالزجاج المكسور – تهوي مثل زجاج مكسور – يجسد انهيار الذات ويعكس الضوء في اتجاهات متضاربة تمامًا كالذاكرة الممزقة، بينما الظلال تتكرر ككيان مستقل – كتف ظل، يتعقب ظله – ليصبح الظل شريكًا في الحوار مع الأنا، مما يذكر بتقنية التوأم في الأدب الرومانسي والمرايا المفقودة – مرآة بلا زجاج – تلغي الانعكاس وتجبر القارئ على تخيل الذات بدلًا من رؤيتها مما يعزز التجريد ويكمل الاستعارة المركزية بطبقات بصرية تعمق الإحساس بالاغتراب.
ورغم غياب القافية تبنى موسيقى داخلية عبر التكرار الصوتي «ت» في «تتلمس، تخشى، تلمسها» يحاكي خطوات حذرة، والصدى الأسطوري «جلجامش يمد يده» يتردد كصدى بعيد يقحم التاريخ في الحاضر، والسكتات – النقاط الثلاث – «نظرة…» تعمل كنبضات قلب متوقفة تعلق القارئ في الفراغ، مما يضيف طبقة صوتية تعزز الإيقاع البصري وتمهد للتقنية السردية.
كما أن تستخدم الشاعرة تقنية الإطار المزدوج: إطار ملحمي «جلجامش يمد يده من أمسيته البعيدة» وإطار شعري «إلى وسادة شعر»، وهذا التقاطع يحول الملحمة إلى حلم شخصي والحلم إلى قصيدة، مما يشكل حلقة فنية مغلقة تبدأ بالأسطورة وتنتهي بالبوح، ويربط الإيقاع بالسرد في ديناميكية متصلة.
وتتحرك الإضاءة دراميًا من العتمة السائدة «عتمة الأفق، تلمسها العتمة» إلى الوميض المفاجئ «عشبة ضوء، مطر مشتهى» ثم الغياب النهائي «بلا كلمة تعثر بها لسان الخلود» حيث يتلاشى الضوء في اللغة نفسها، مما يكمل الدورة الفنية ويؤكد التحول المستمر.
فعشبة الضوء هذه لوحة مشظاة تجسد الذات المعاصرة في لحظة انهيارها وإعادة تكوينها، فكل عنصر فني من الشكل إلى الصورة إلى الإيقاع إلى السرد إلى الإضاءة يعمل كجزء من آلية دفاعية تحول الألم إلى جمال والقصيدة تعيد خلق تجربة الاغتراب كفعل إبداعي حيث يصبح الجرح نفسه مصدر الضوء.
أخيرًا، إذا اعتبرنا أن عشبة الضوء الأخيرة تتجلى كرمز لذات تتفتح من عمق التشظي وتحوّل الاغتراب إلى معبد يفيض بالبوح، فإن الضوء يشرق من جرح يفتح باب المعنى ويغدو الشعر مجالًا يعيد تشكيل الروح ويمنح المنفى وطنًا من الكلمات وأن الضوء يكتسب حضوره حين ينصت القلب لنبضه الداخلي فبأي هيئة يتجلّى حين يتكلّم القلب بلغته الخاصّة؟
*الكاتبة: باحثة وناقدة تونسية.
