كشفت طهران عن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يقضي بالإفراج عن 12 مليار دولار من أصولها المالية المجمدة في الخارج، بعد أسابيع من المحادثات غير المباشرة والقنوات الخلفية التي احتضنتها سويسرا وباكستان، في انتظار تفاهمات أوسع تهدف إلى خفض التصعيد الإقليمي.
وأعلن رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، أن الأموال المفرج عنها ستتدفق إلى إيران على دفعتين متساويتين بقيمة 6 مليارات دولار لكل منهما، حيث جرت الترتيبات الأولية في قطر قبل صياغة الاتفاق النهائي في منتجع “بورجنستوك” بسويسرا.
وضمن هذا المسار، منحت واشنطن طهران إعفاءات مؤقتة من العقوبات لمدة 60 يوماً تتيح لها تصدير النفط والمنتجات البتروكيماوية وتلقي العوائد النقية؛ فيما ألمح مسؤولون أمريكيون، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، إلى صيغة تسوية تضمن توجيه تلك الأموال لشراء سلع زراعية أمريكية كالذرة وفول الصويا والقمح لتعويض المزارعين الأمريكيين، بينما أكد محافظ البنك المركزي الإيراني أن استخدام الأموال لن يقتصر على السلع الأساسية بل سيشمل مواد أخرى غير خاضعة للعقوبات لدعم خطط إعادة الإعمار.
أوضح قاليباف أن تحرير الأموال يستند مباشرة إلى المادة 11 من مذكرة التفاهم الموقعة حديثاً بين طهران وواشنطن، والتي تلتزم بموجبها الولايات المتحدة بإتاحة الأصول المقيدة بالكامل، على أن يتفق الطرفان تفصيلياً على آليات الصرف لضمان عدم توجيهها العسكري.
وتمثل الإعفاءات الأمريكية المؤقتة فرصة لالتقاط الأنفاس للاقتصاد الإيراني؛ إذ تسمح لبلد يعاني حظراً مالياً ممتداً ببيع الهيدروكربونات في الأسواق العالمية بأسعارها الطبيعية دون الحاجة لتقديم تخفيضات هائلة للزبائن الآسيويين (مثل الصين) كما كان يحدث سابقاً.
ويعكس إعلان البيت الأبيض عن تحويل الأموال لشراء محاصيل أمريكية محاولة ذكية من إدارة ترامب لتمرير الاتفاق داخلياً؛ حيث يحول الاتفاق السياسي المثير للجدل مع طهران إلى مكاسب اقتصادية مباشرة وحزم دعم مالي ضخمة لصالح قطاع الزراعة والمزارعين في الولايات المتحدة.
يتزامن هذا الإعلان مع زيارة مرتقبة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى دول مجلس التعاون الخليجي، مستهدفة إدارة تداعيات هذا الانفتاح المفاجئ مع طهران:
تسعى واشنطن من خلال جولة روبيو إلى تقديم ضمانات أمنية واضحة لحلفائها في الخليج بأن الإفراج عن الـ 12 مليار دولار لن يُترجم إلى تمويل إضافي للفصائل الموالية لإيران (مثل حزب الله والحوثيين)، وأن الآليات المشتركة بين أمريكا وقطر تضمن الرقابة الصارمة على حركة تلك الأموال.
تقع جولة روبيو في قلب مهلة الـ 60 يوماً الممنوحة لإيران؛ حيث تبحث واشنطن مع العواصم الخليجية الخطوط العريضة لـ”اتفاق سلام نهائي وشامل” يضمن تدفق الملاحة بحرية وأمان عبر مضيق هرمز، ويضع حداً للمخاوف المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وصناعة الطائرات المسيرة.
يعكس الإفراج عن الـ 12 مليار دولار واقعية سياسية جديدة تعتمدها واشنطن؛ فبدلاً من إستراتيجية “الضغط الأقصى” العقيمة، يتم استخدام الأصول المجمدة كـ”جزرة مالية” مشروطة لفرض هدنة مؤقتة في الممرات المائية واحتواء نفوذ طهران الإقليمي، مع تحويل العوائد لخدمة الاقتصاد الانتخابي الداخلي في أمريكا عبر صفقات الحبوب.
يعود ملف الأصول الإيرانية المجمدة إلى سنوات طويلة من العقوبات الدولية والأمريكية المرتبطة بالملف النووي؛ وكانت قطر قد لعبت دوراً مماثلاً في عام 2023 عندما أشرفت على تحويل 6 مليارات دولار من كورية الجنوبية مقابل إطلاق سراح محتجزين أمريكيين، إلا أن طهران طالما اشتكت من بطء وصعوبة الوصول الفعلي لتلك الأموال نظراً للتعقيدات المصرفية.
يثبت التزامن بين إعلان التفاهم المالي وجولة ماركو روبيو أن واشنطن لا تتحرك بمعزل عن حلفائها التقليديين؛ إلا أن نجاح هذا المسار يظل رهناً بمدى قدرة الإدارة الأمريكية على كبح طموحات طهران الإقليمية خلال مهلة الشهرين، وتحويل “مذكرة التفاهم” الهشة إلى اتفاقية سلام مستدامة تحظى بقبول القوى الخليجية والكونجرس الأمريكي.














