
لماذا يتزايد الهجوم الإعلامي على الإمارات الآن؟
بقلم لواء مصطفى زكريا
لا يمكن النظر إلى تصاعد الانتقادات والهجمات الإعلامية التي تتعرض لها دولة الإمارات العربية المتحدة في الآونة الأخيرة باعتباره مجرد تفاعل عابر على منصات التواصل الاجتماعي، أو مجرد سجالات فردية بين أشخاص أو حسابات متباينة الاتجاهات. فالمشهد، عند النظر إليه في سياقه الأوسع، يبدو أقرب إلى انعكاس لصراع مصالح إقليمي ودولي يتجاوز حدود الجدل الرقمي ليصل إلى معادلات النفوذ في المنطقة.
خلال العقد الأخير تحولت الإمارات من دولة خليجية ذات حضور اقتصادي قوي إلى لاعب مؤثر في عدد من الملفات الإقليمية الحساسة، سواء عبر الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والموانئ أو من خلال الحضور السياسي في بعض بؤر الأزمات. هذا التحول الطبيعي في دور الدولة داخل محيطها الإقليمي لم يكن من الممكن أن يمر دون أن يثير تفاعلات متباينة، بعضها مرحب وبعضها الآخر متحفظ أو حتى معارض.
ومن أبرز الملفات التي جعلت اسم الإمارات حاضرًا بقوة في النقاشات الإقليمية ملف الموانئ والتجارة العالمية. فقد استطاعت الشركات الإماراتية خلال سنوات قليلة أن تصبح لاعبًا مهمًا في إدارة وتشغيل عدد من الموانئ في مناطق مختلفة من العالم، وخاصة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وهذا التوسع الاقتصادي يمنح أي دولة نفوذًا غير مباشر في حركة التجارة الدولية، وهو ما يجعل المنافسة في هذا المجال تتخذ أحيانًا طابعًا سياسيًا وإعلاميًا يتجاوز حدود الاقتصاد.
كما أن منطقة القرن الإفريقي، التي أصبحت في السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المناطق حساسية في الحسابات الجيوسياسية، شهدت حضورًا متزايدًا لعدد من القوى الإقليمية والدولية. فهذه المنطقة تطل على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو الممر الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم بالبحر المتوسط عبر قناة السويس. لذلك فإن أي نشاط اقتصادي أو سياسي فيها لا يمكن فصله عن حسابات الأمن الإقليمي والتجارة العالمية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تظهر بين الحين والآخر موجات من الانتقادات أو الحملات الإعلامية التي تستهدف أدوار بعض الدول في تلك المنطقة، ومنها الإمارات. ففي عالم السياسة لا تكون المعارك دائمًا عسكرية أو دبلوماسية، بل كثيرًا ما تُدار عبر الإعلام والروايات المتنافسة. فكل طرف يسعى إلى تقديم تفسيره الخاص للأحداث بما يخدم مصالحه أو يعزز موقعه في ميزان النفوذ.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل ما يُقال في هذه الحملات دقيق أو غير دقيق، فالحقيقة غالبًا ما تكون أكثر تعقيدًا من الروايات المتداولة. لكن المؤكد أن تزايد الاهتمام الإعلامي بدور الإمارات في بعض الملفات الإقليمية يعكس حقيقة واضحة، وهي أن الدولة أصبحت طرفًا حاضرًا في معادلات مهمة تتعلق بالممرات البحرية والتوازنات الإقليمية.
وفي مثل هذه الحالات يصبح من الطبيعي أن يتزايد الجدل حول السياسات والأدوار المختلفة، لأن كل توسع في النفوذ يقابله عادة نقاش أو انتقاد من أطراف ترى الأمور من زاوية مختلفة. وهنا يظهر دور الإعلام، التقليدي والرقمي على السواء، في تضخيم بعض الروايات أو إبراز جوانب معينة من المشهد دون غيرها.
ومن المهم في هذا السياق التمييز بين النقد السياسي الطبيعي، الذي يرافق أي دور إقليمي نشط، وبين الحملات الإعلامية التي قد تكون جزءًا من صراع أوسع على النفوذ. فالأولى ظاهرة صحية في عالم السياسة، أما الثانية فهي غالبًا انعكاس لمعادلات المنافسة بين الدول والقوى المختلفة.
وفي النهاية، فإن قراءة أي موجة إعلامية لا يمكن أن تتم بمعزل عن السياق الجيوسياسي الذي تتحرك فيه المنطقة. فكلما زادت أهمية موقع أو دولة في معادلات التجارة والأمن الإقليمي، زادت أيضًا درجة الجدل والاهتمام الإعلامي المحيط بها.
وهذا ما يبدو أنه يحدث اليوم؛ فتصاعد الحديث عن دور الإمارات في بعض الملفات الإقليمية ليس مجرد ضجيج إعلامي عابر، بل مؤشر على أن المنطقة تشهد إعادة ترتيب بطيئة في خرائط النفوذ، وهي عملية غالبًا ما يصاحبها الكثير من السجالات والقراءات المتباينة.
هذا المقال هو الجزء الثاني من سلسلة
“ما وراء الضجيج ؛؛؛ ثلاث قراءات في صراعات النفوذ بالمنطقة”.
ويأتي المقال الثالث في السلسلة ليتناول التحولات الجيوسياسية في البحر الأحمر واحتمالات تغير موازين النفوذ في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
