الجزر المنعزلة.. طريق الانهيار

منذ 59 دقيقةآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ليست كل حالات التراجع تبدأ من ضعف الإمكانيات، أو قلة الموارد، أو غياب الكفاءات ؛ فبعض المجتمعات والمؤسسات تمتلك كل عناصر النجاح تقريبا ً، لكنها تتعثر لأن كل طرف يعمل وكأنه جزيرة منفصلة عن الأخرى.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

حين تتحول العلاقات الإنسانية إلى دوائر مغلقة، والعمل إلى جزر منفصلة، والسياسة إلى معسكرات متباعدة، والصداقات إلى مصالح مؤقتة .. يصبح التواصل شكليا ً، ويغيب التكامل الحقيقي، فتضعف النتائج مهما بدا المشهد من الخارج منظما ً أو مستقرا ً.

في الحياة الاجتماعية، لا تنهار العلاقات دائما ً بسبب الخلافات الكبرى، بل أحيانا ً بسبب العزلة الصامتة؛ حين يتوقف الناس عن الاستماع لبعضهم، أو يفقدون الرغبة في الفهم، أو يكتفون بإرسال الأحكام بدل تبادل المشاعر .. فيتحول البيت الواحد إلى جزر منفصلة، ويصبح الحوار مجرد كلمات بلا تواصل حقيقي.

وفي بيئات العمل، قد تمتلك المؤسسة إدارات قوية وكفاءات مميزة؛ لكن غياب التنسيق والتكامل يجعل كل إدارة تعمل بمعزل عن الأخرى، فتتكرر الأخطاء، وتتضارب القرارات، وتضيع الجهود بين الأنانية الإدارية أو صراعات النفوذ أو غياب الرؤية المشتركة.
فالمؤسسة لا تُقاس بعدد الأقسام، بل بقدرتها على العمل كجسد واحد.

أما في السياسة، فالجزر المنعزلة أكثر خطورة، حين تتحول القوى السياسية أو الإعلامية أو المجتمعية إلى كيانات تتحدث إلى نفسها فقط، وتفقد القدرة على بناء مساحات مشتركة، يصبح المشهد مليئا ً بالضجيج وفقيرا ً في النتائج.
فالخلاف الطبيعي لا يضر الأوطان، لكن الانفصال الكامل بين الأطراف هو ما يفتح أبواب التراجع والتشظِّي.

حتى الصداقات نفسها، حين تُبنى على المجاملة السطحية أو المصالح المؤقتة، تتحول مع الوقت إلى علاقات هشة .. لأن الروابط الحقيقية لا تقوم على الوجود الشكلي، بل على التفاعل والاحتواء والصدق.

المشكلة أن كثيرين يظنون أن الاستقلالية قوة مطلقة، بينما الحقيقة أن الإنسان بطبيعته كائن تفاعلي، وأن النجاح الحقيقي لا يُبنى بالعزلة، بل بالتكامل.

فلا توجد مؤسسة تنجح بجزر إدارية متصارعة، ولا مجتمع يستقر بجزر فكرية متنافرة، ولا علاقة إنسانية تستمر بجدران مرتفعة وصمت طويل.

ولهذا، فإن أخطر ما قد يصيب أي منظومة ليس الخلاف، بل انقطاع الجسور.

والحل لا يبدأ بالشعارات؛ بل بإعادة بناء ثقافة التواصل الحقيقي، واحترام التخصص وتبادل الخبرات، وخلق مساحات للحوار والتعاون بدلا ً من عقلية الإقصاء أو الانغلاق.
فكلما اقتربت الجزر من بعضها .. اقتربت النتائج من النجاح.

ولعل أهم التوصيات التي تحتاجها مجتمعاتنا ومؤسساتنا اليوم:
•تعزيز ثقافة العمل الجماعي بدل البطولة الفردية.
•إعادة بناء قنوات الحوار داخل الأسرة والعمل والمجتمع.
•ربط الإدارات والجهات المختلفة بأهداف مشتركة لا بمنافسات داخلية.
•تشجيع تبادل الخبرات والمعرفة بدل احتكارها.
•ترسيخ فكرة أن الاختلاف لا يعني القطيعة بل قد يكون مصدر قوة إذا أُدير بوعي.
•الاستثمار في بناء الثقة بين الإنسان والإنسان، لأن الثقة هي الجسر الحقيقي بين كل الجزر المنعزلة.

ففي النهاية ؛؛
لا تسقط المجتمعات فقط بسبب الأعداء، بل أحيانا ً بسبب المسافات التي تنمو بصمت بين أبنائها.

الاخبار العاجلة