
بقلم: لواء مصطفى زكريا
يتحول القرن الإفريقي اليوم إلى المسرح الأكبر للصراع الدولي في أفريقيا؛ منطقة ملتهبة تتقاطع عندها طموحات القوى الكبرى، وتنعقد حولها خيوط النفوذ الإقليمي، وتتصادم فوق جغرافيتها المعقدة مشاريع سياسية وعسكرية واقتصادية تجعلها أشبه بقطعة جغرافية صغيرة تتحكم في مستقبل قارة كاملة. فالقرن الإفريقي لم يعد مجرد تجمع دول فقيرة تعاني الحروب؛ بل أصبح بوابة البحر الأحمر، ومدخل المحيط الهندي، ومركز تنافس بين واشنطن وبكين وموسكو وأنقرة وطهران وأبوظبي، في لحظة تتغير فيها قواعد اللعبة الدولية بسرعة غير مسبوقة.
إثيوبيا هي الطرف الأكثر حضورا ً في هذه المعادلة. فالدولة التي تمثل ثاني أكبر سكان أفريقيا تسعى للخروج من أزمتها الداخلية عبر مشروع توسع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري، والوصول إلى منفذ على البحر الأحمر مهما كان الثمن. ولهذا تتحرك أديس أبابا في اتجاهين؛ الأول عبر الضغط السياسي للحصول على ممر بحري من إريتريا أو جيبوتي، والثاني عبر بناء شراكات أمنية واقتصادية تعزز نفوذها في الصومال وأرض الصومال وحتى السودان. إنها دولة تدرك أن مستقبلها الاقتصادي والعسكري مرهون بالخروج من عزلتها البحرية، ولذلك تتصرف بعقلية القوة التي ترغب في إعادة رسم الجغرافيا، لا مجرد التكيف معها.
في المقابل، تقف إريتريا الصلبة أمام هذا الطموح الإثيوبي. فالدولة الصغيرة التي تمتلك ساحلا ً طويلا على البحر الأحمر ليست مستعدة للتخلي عن ورقتها البحرية لصالح قوة إقليمية كبرى. إريتريا تتحرك دائما ً في مساحة رمادية؛ تارة تقترب من إثيوبيا، وتارة تتقاطع معها، لكنها في كل الحالات تحافظ على استقلالية صارمة تجعلها رقما ً صعبا ً في معادلة القرن الإفريقي. فهي تدرك أن أي تغيير في خريطة النفوذ البحري سيجعلها مفعولا ً به، لا فاعلا ً.
أما الصومال، فهو الحلقة الأكثر هشاشة في السلسلة. بلد يعاني من صراع داخلي طويل، وتهديدات إرهابية، وتنافس دولي على موانئه وجزره، ووجود عسكري متعدد الجنسيات على أرضه. الصومال لا يستطيع فرض سيادته كاملة، ولا يستطيع الانسحاب من شبكة النفوذ التي تلتف حوله؛ لكنه يدرك في الوقت نفسه أن موقعه الجغرافي جعله مركزا ً حساسا ً لأي ترتيبات تخص البحر الأحمر والمحيط الهندي.
وسط هذا التداخل، يقترب البحر الأحمر من أن يصبح ساحة سباق دولي مفتوح. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية ممرات التجارة ومنع الصين من الحصول على نفوذ واسع في موانئ جيبوتي والسودان. والصين، عبر “طريق الحرير”، تبني لنفسها قواعد اقتصادية وعسكرية تضمن لها وجودا ً طويل المدى. وروسيا تبحث عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر؛ سواء في السودان أو في أي دولة مستعدة لاستضافتها. وتركيا تبني نفوذها من بوابة الصومال، بينما تشكل الإمارات أحد أهم الفاعلين عبر إدارة الموانئ، وتمويل المشاريع البحرية، وبناء علاقات واسعة مع الصومال وإريتريا وأرض الصومال.
لكن الأخطر من ذلك كله هو أن هذه المنطقة أصبحت نقطة ارتكاز مباشرة لأمن مصر والسعودية. فمصر تعتبر القرن الإفريقي جزءا ً من أمن البحر الأحمر ومنظومة الأمن القومي الممتدة إلى باب المندب. وأي تمدد إثيوبي أو قوة دولية غير محسوبة يغير التوازن لصالح طرف قد ينعكس مباشرة على قناة السويس وسلامة الملاحة. أما السعودية، فهي تنظر إلى المنطقة باعتبارها خط الدفاع الجنوبي لأمنها البحري ونقطة توازن مع إيران في البحر الأحمر.
القرن الإفريقي إذن ليس مجرد منطقة مشتعلة؛ بل هو عقدة مصالح تتقاطع عندها خرائط القوى الدولية. كل طرف يريد نصيبا ً من نفوذه، وكل دولة تحاول منع الأخرى من الانفراد به، وكل تحرك صغير في الصومال أو إثيوبيا أو إريتريا ينعكس على البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس والجزيرة العربية. وهذا ما يجعل المنطقة تبدو وكأنها مقدمة لإعادة رسم خريطة أفريقيا كلها.
والمفارقة أن شعوب المنطقة نفسها هي الأقل تأثيرا ً في هذا المشهد؛ دول منهكة، صراعات داخلية، فقر شديد، وجيوش غير قادرة على فرض الاستقرار. ولهذا يبقى القرن الإفريقي مساحة مفتوحة لحروب الوكالة، ومشاريع النفوذ، والتحركات الكبرى التي تتجاوز قدرات دوله إلى ما تفرضه القوى العالمية.
إن القرن الإفريقي اليوم ليس فقط ساحة صراع؛ بل هو منطقة إعادة صياغة. منطقة يتقرر فيها شكل المستقبل الاستراتيجي للبحر الأحمر، وممرات التجارة، وتوازن القوى في شرق أفريقيا. وما لم تُخلق معادلة استقرار قائمة على توازن المصالح، ستظل المنطقة المصدر الأخطر للاضطرابات القادمة، وستظل خيوطها تمتد إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأبعد.
