استعادة أصل العلوم.. مشروع قومي لا يحتمل التأجيل

12 فبراير 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

 

لسنا أمة تبحث عن جذور؛ بل أمة تمتلك جذورا ً عميقة ً ثم اختارت أن تنساها.
لم تكن الحضارة المصرية القديمة مجرد بناء حجري ضخم أو نقوش تثير الدهشة،
بل كانت منظومة علمية متكاملة سبقت عصرها بقرون طويلة.
نظام هندسي دقيق، ضبط فلكي مذهل، تنظيم إداري صارم، وفلسفة حياة قائمة على التوازن والانضباط واحترام الزمن.
لم يكن بناء الأهرامات معجزة بالمعنى الغيبي، بل نتيجة علم وتعليم وتخطيط طويل النفس، لم يكن تعامد الشمس مصادفة ً ، بل حسابا ً فلكيا ً محسوبًا، لم تكن برديات الطب اجتهادات بدائية، بل محاولات علمية منظمة للتشخيص والعلاج.
ومع ذلك …
نتعامل مع هذا الإرث وكأنه فصل من كتاب تاريخ، لا أساسا ً يمكن أن يُبنى عليه حاضرنا.
نشأنا على مناهج تبدأ من الخارج، وتتحدث عن نشأة العلوم وكأنها وُلدت بعيدا ً عنا،
بينما كثير من جذورها ضاربة في أرضنا.
لا أدعو إلى الانغلاق، ولا إلى إلغاء العلوم الحديثة، ولا إلى خطاب عاطفي متضخم.
بل أدعو إلى إعادة الوصل.
أن يُدرَّس علم الفلك الحديث مقرونا ً بجذوره الأولى في ضبط التقويم المصري القديم.
أن تُدرَّس الهندسة مقرونة بالدقة الإنشائية التي ما زال العالم يدرسها في الأهرامات.
أن يُدرَّس الطب مقرونا ً ببرديات المصريين القدماء.
أن تُدرَّس الإدارة مقرونة ً بفلسفة الدولة المركزية التي حافظت على استقرار آلاف السنين.
من الواضح أن هناك فترة زمنية طويلة جدا ً شكّلت هوّة فراغية سحيقة بين العصر الفرعوني ونهضته وبين ما تلاه من حضارات، ثم هوّة أخرى كبيرة قبيل العصر الحديث ؛ وهنا أتحدث عن مصر تحديدا ً.
فهل نرمم ما فات بإعادة الوصل ، أم نستمر في الإغفال؟
إن استعادة أصل العلوم ليست مشروع حنين، ولا استدعاء ً للماضي من أجل الزهو، بل مشروع وعي وبناء ثقة.
ومن هنا؛ يصبح لزاما ً أن تتبنى الدولة مشروعا ً قوميّا ً واضح المعالم يقوم على:
• إعادة صياغة المناهج الدراسية في ضوء الجذر الحضاري المصري.
• إعداد كتب ومراجع مبسطة ومصنفة حسب التخصصات، تُتاح في المكتبات العامة بأسعار زهيدة.
• إدماج هذا التوجه في الإعلام والأنشطة الثقافية.
• تحويل التراث العلمي من مادة فخر إلى مادة بناء.

آن الأوان أن نوفر هذا الميراث العلمي في كتب ومطبوعات مصنفة طبقا ً للتخصصات،
متاحة في كل مكان، وبأسعار زهيدة، لتصبح المعرفة في متناول الجميع.
هذا هو المشروع القومي الذي أتمناه، فالأمم التي تعرف أصل علومها لا تُضيع طريقها في المستقبل.

 

 

 

 

الاخبار العاجلة