
بقلم: إبراهيم الحسيني الأعرجي
ليست المشكلة اليوم في كيفية إيقاف الحرب، بل في عجز من أشعلها عن إيجاد مخرجٍ مشرفٍ منها. فالولايات المتحدة وإسرائيل تبدوان وكأنهما دخلتا نفقًا لا تُعرف نهايته، وكلما طال أمد الحرب ازدادت عتمته كثافة، واشتدّ ثقلها السياسي والأخلاقي عليهما، لا في الخارج فحسب، بل في الداخل أيضًا، حيث تبدأ الأسئلة الكبرى بالظهور: لماذا بدأت الحرب؟ وما الذي يمكن اعتباره نصرًا فيها؟
في الداخل الأميركي، لم تعد الحرب مجرد خيار استراتيجي محسوب، بل تحوّلت إلى عبء ثقيل على الرأي العام. فمع تصاعد الخسائر البشرية، واتساع دائرة الكلفة السياسية، بدأت الأصوات المنتقدة ترتفع، لا من الهامش بل من عمق النخب السياسية والإعلامية. هذا التآكل البطيء في الشرعية الشعبية لا يُقاس بضجيج اللحظة، بل بخطورته التراكمية التي تضع صانع القرار أمام معادلة قاسية:
الاستمرار يعني مزيدًا من النزف،
والتراجع يعني اعترافًا ضمنيًا بالفشل.
وهنا، لا تكمن المعضلة في القرار بحد ذاته، بل في تداعياته؛ إذ إن أي خيار لم يعد خاليًا من الخسائر. فالحروب التي تبدأ على وقع الثقة المطلقة، غالبًا ما تنتهي تحت وطأة الشك العميق.
أما إيران، فتخوض المواجهة بمنطق مختلف جذريًا. فهي لا تسعى إلى حسم سريع أو انتصار خاطف، بل إلى استنزاف طويل النفس، وفق ما يمكن تسميته بسياسة “حياكة السجاد”: صبرٌ استراتيجي، نفسٌ ممتد، وتراكم بطيء للنقاط. في هذا النموذج، لا يكون الهدف كسر الخصم دفعة واحدة، بل إنهاكه تدريجيًا حتى يصبح عاجزًا عن الاستمرار.
إنها معركة زمن أكثر منها معركة نار، حيث يتحول الوقت إلى سلاح بحد ذاته. كل يوم إضافي ليس مجرد امتداد للمعركة، بل استثمار في إنهاك الخصم، وتآكل قدرته على المبادرة. وهنا، يصبح الصبر شكلًا من أشكال القوة، وربما أكثرها فاعلية.
وفي هذا السياق، لم تعد الجبهات محصورة ضمن حدود جغرافية تقليدية. فمع كل تمدد للصراع، تُفتح مساحات اشتباك جديدة، كما حصل في العراق، ما يؤدي إلى تضييق الخناق على الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة. هذه القواعد، التي كانت تُعدّ يومًا عناصر قوة ونفوذ، بدأت تتحول تدريجيًا إلى نقاط ضغط واستنزاف، محاطة ببيئة أكثر عدائية، وأقل قابلية للاحتواء.
هذا التحول لا يغيّر فقط معادلات الميدان، بل يعيد تشكيل التفكير الاستراتيجي داخل الولايات المتحدة. فبدل البحث عن نصر حاسم، يبدأ البحث عن “رواية نهاية”؛ قصة يمكن تسويقها للرأي العام، تُوحي بأن الحرب حققت أهدافها، حتى لو لم يتحقق الحسم الفعلي.
وهنا تكمن المفارقة:
حين تعجز القوة عن تحقيق النصر، تلجأ إلى صناعة السردية.
تصبح النهاية، في هذه الحالة، ليست نتيجة لما جرى على الأرض، بل إعادة تفسير له. تُقدَّم الإنجازات الجزئية على أنها انتصار، وتُخفى الخسائر خلف لغة سياسية محسوبة، في محاولة لإقناع الداخل والخارج بأن ما تحقق يكفي.
لكن المأزق الحقيقي يظل قائمًا:
لا نصر سريع ممكن،
ولا انسحاب سهل متاح.
ومع كل يوم إضافي، تتعمق الكلفة، وتتآكل الخيارات، وتقترب الحرب من التحول إلى عبء استراتيجي مفتوح، لا يمكن التحكم بمآلاته بسهولة.
هكذا، لا تبدو نهاية الحرب وكأنها تُرسم في غرف العمليات بقدر ما تتشكل في ميزان الزمن والإرادة. فالحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بالقوة النارية، بل بقدرة الأطراف على الصمود، وعلى إدارة الوقت كأداة ضغط.
وفي النهاية، قد لا يكون المنتصر هو من يملك السلاح الأقوى،
بل من يملك القدرة على البقاء أطول…
ومن يربح الزمن، قد يربح المعركة.
