
بقلم: دكتور علي الدكروري
وسط التحولات التي يشهدها التي يشهدها العالم، لم يعد الحديث عن البيئة رفاهية فكرية أو ترفًا سياسيًا، بل أصبح جزءًا أصيلًا من معادلة الإقتصاد العالمي.
لم تعد قضية الإقتصاد الأخضر مجرد توجه أخلاقي لحماية الطبيعة، بل تحولت إلى ساحة تنافس دولي، وإلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوة بين الدول.
اللافت في هذا التحول أنه لا ينطلق فقط من القلق على مستقبل الكوكب، رغم خطورة تحديات مثل التغير المناخي، بل يتجاوز ذلك ليعكس مصالح إقتصادية واستراتيجية عميقة.
فالدول الكبرى لم تدخل سباق الطاقة النظيفة بدافع بيئي خالص، بل لإدراكها أن من يملك تكنولوجيا المستقبل، يملك مفاتيح الهيمنة في العقود القادمة.
في هذا السياق، تتسابق قوى كبرى مثل الصين والإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لفرض نماذجها الخاصة في التحول الأخضر.
الصين تسيطر على جزء كبير من سلاسل إنتاج الألواح الشمسية والمعادن النادرة، والإتحاد الأوروبي يقود التشريعات البيئية الصارمة، بينما تسعى الولايات المتحدة لتعزيز الإبتكار والإستثمار في التكنولوجيا النظيفة.
هذا التنافس لا يدور فقط حول خفض الانبعاثات، بل حول من يحدد قواعد اللعبة الإقتصادية الجديدة.
لكن الوجه الآخر لهذه المعادلة يطرح تساؤلات أكثر تعقيدًا.
هل التحول نحو الإقتصاد الأخضر متاح للجميع؟
أم أنه قد يتحول إلى عبء جديد على الدول النامية؟ فبينما تمتلك الدول المتقدمة الموارد والتكنولوجيا اللازمة للتحول، تجد دول أخرى نفسها مطالبة بتطبيق معايير بيئية صارمة دون أمتلاك نفس القدرات، ما قد يخلق فجوة إقتصادية أوسع بدلًا من تقليصها.
الأمر لا يتوقف عند ذلك، بل يمتد إلى إعادة تعريف مفاهيم مثل النمو والتنمية.
فالنمو لم يعد يُقاس فقط بزيادة الإنتاج، بل بمدى استدامته وتأثيره على البيئة وهنا يظهر تحدٍ جوهري:
كيف يمكن تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الإقتصادية وحماية الموارد الطبيعية؟
وهل يمكن للدول أن تنمو دون أن تدفع البيئة الثمن؟
في العمق، يبدو أن الإقتصاد الأخضر ليس مجرد خيار، بل مسار حتمي فرضته التغيرات العالمية.
لكن هذا المسار لا يخلو من التحديات، ولا يمكن فصله عن المصالح السياسية والإقتصادية فهو في الوقت نفسه فرصة لإعادة بناء نموذج إقتصادي أكثر استدامة، وأداة قد تُستخدم لإعادة توزيع النفوذ العالمي.
ما نشهده اليوم ليس فقط تحولًا في مصادر الطاقة، بل تحولًا في طبيعة الصراع ذاته. صراع لم يعد يدور حول من يملك النفط، بل حول من يملك بدائله.
ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نتحول إلى اقتصاد أخضر؟ بل: من يقود هذا التحول… ومن يدفع ثمنه؟
فالأقتصاد الأخضر قد يكون طوق نجاة للكوكب… لكنه في الوقت نفسه إختبار جديد لعدالة النظام الإقتصادي العالمي.
*كاتب المقال: رجل أعمال مصري.
