حين تُمنح الثقة في غير موضعها.. تبدأ الفجوة الصامتة

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

ليست كل الأزمات الكبرى تبدأ بقرار كارثي، أو فساد واضح، أو انهيار مفاجئ.
فبعض الأزمات تبدأ بهدوء شديد .. حين يُوضع شخص في موقع أكبر من قدراته، ثم تُمنح له مساحة من الثقة أو الصلاحيات لا يستطيع احتواءها.
في البداية قد يبدو الأمر عاديا ً،
وقد يُفسَّر على أنه فرصة، أو دعم، أو محاولة لتمكين عنصر جديد، قد تكون كل مؤهلاته الانتماء والولاء .. ومن هنا ؛ قد لا تبدء المشكلة الحقيقية في الظهور فورا ً، بل عادة ً تبدأ آثارها بالظهور تدريجيا ً في صورة سلوكيات صغيرة:
تجاوز في الصلاحيات، سوء في التقدير، خلط بين الحزم والتسلط وبين الثقة والاستقواء، وميل إلى إثبات الذات بصورة مبالغ فيها .

فالشخص غير الكفؤ غالبا ً لا يُدير المسئولية؛ بل تُديره هي.
وحين يشعر أن الموقع أكبر من إمكانياته يحاول أحيانا ً تعويض ذلك بالصوت المرتفع، أو التشدد غير المبرر، أو صناعة نفوذٍ يتجاوز حدود الدور الحقيقي المطلوب منه سواءاً بعدم الالتزام بتفعيل وتنفيذ التعليمات .. أو بإستخدام أسلوب رخيص عن طريق دفع الآخرين بعدم الإمتثال أو التعاون مع المعني بالأمر … الخ

وهنا تبدأ المشكلة في التمدد بصمت.
فالضرر لا يتوقف عند سوء الأداء فقط، بل يمتد إلى البيئة المحيطة كلها .. فتنشأ فجوة نفسية ومهنية بين المنظومة ومن يعملون داخلها، فيتراجع الحماس، وتضعف روح الانتماء، وتشعر الكفاءات الحقيقية بأن التقدير لم يعد مرتبطا ً بالكفاءة بقدر ارتباطه باعتبارات أخرى.

ومع الوقت، ربما لا ينسحب المتميزون دائما ً بأجسادهم بل ينسحبون داخليا ً.. ليتحول الأداء الي تأديتهم ما عليهم فقط بشكل نمطي نزولا ً لاحد الأدني بدلا ً من بذل كامل الجهد والحماس، ويتوقف الشغف، ويحل الفتور مكان الحماسة، فتخسر المنظومة تدريجيا ً أفضل ما فيها دون أن تشعر.

ولهذا فإن حسن الإدارة لا يعني فقط القدرة على اتخاذ القرار،
بل القدرة على وضع الشخص المناسب في المكان المناسب،
ومتابعة أثر القرار بعد تنفيذه،
ومراجعة النتائج بشجاعة وتجرد.
فبعض متخذي القرار يقعون في خطأ أخطر من سوء الاختيار نفسه، بالإصرار على الاستمرار فيه رغم وضوح آثاره السلبية.
بينما الحقيقة أن التراجع عن قرار غير موفق ليس ضعفا ً،
بل أحيانا ً يكون أعلى درجات الحكمة الإدارية.

لذلك فإن التوصية الأهم لأي مسئول أو صاحب قرار ؛؛؛ أن يتدارك الأمر فور ظهور البوادر الأولى، لا بعد اتساع الفجوة.
فالأزمات الإدارية الكبرى نادرا ً ما تهبط فجأة، بل تسبقها دائما ً إشارات واضحة:
تراجع الروح، زيادة الاحتقان، ضعف الحماس، وتحوّل بيئة العمل من مساحة إنتاج إلى مساحة صامتة من الإحباط.

فالمنظومات الناجحة لا تُبنى بالمجاملات، ولا بمنح الثقة بلا حساب .. بل ببناء توازن دقيق بين الكفاءة والمسئولية والمتابعة.
لأن أخطر ما قد يحدث داخل أي مؤسسة ؛ أن يتحول سوء التقدير الفردي إلى عبء جماعي يدفع الجميع ثمنه.

الاخبار العاجلة