تجمع الفاو زاخو: الأزمة المائية بالعراق تؤدي لمزيد من هجرة السكان الريفيين

منذ ساعة واحدةآخر تحديث :
تجمع الفاو زاخو: الأزمة المائية بالعراق تؤدي لمزيد من هجرة السكان الريفيين
بغداد:

حذر الخبير الدولي الدكتور المهندس رئيس لجنة السياسات المائية والأمن المائي التابعة إلى تجمع الفاو زاخو من تفاقم أزمة المياه في جمهورية العراق، وتحديات تغير المناخ التي تزيد من الأزمة، كما تطرق إلى مسببات تلوث المياه، والآثار الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الأزمة.

وقد أصدر تجمع الفاو زاخو البيان السادس والعشرون الصادر حول السياسات المائية والأمن المائي في العراق، تحت عنوان “العراق بين فائضٍ مائي يضيع ونقصٍ يتفاقم…حين تصبح الإدارة هي الأزمة”

وفيما يلي نص البيان:

يواجه العراق اليوم واقعاً مائياً شديد التعقيد لا يمكن اختزاله في فكرة “قلة المياه” وحدها، بل في طبيعة التحولات العنيفة التي أصابت الدورة المائية خلال السنوات الأخيرة. فالمشهد العام لم يعد مستقراً، بل أصبح أقرب إلى حالة تذبذب حاد بين مواسم مطرية قصيرة وغزيرة من جهة، وفترات جفاف طويلة ومتكررة من جهة أخرى، مع تراجع واضح في انتظام تدفق الأنهار نتيجة عوامل إقليمية تتعلق بمصادر المياه. هذا التغير يعكس حقيقة أساسية مفادها أن التحدي المائي في العراق يرتبط بالدرجة الأولى بكفاءة الإدارة وليس بوفرة المورد المائي.

وتبرز المفارقة بشكل واضح عند التعامل مع موجات الأمطار والسيول، حيث تتحول كميات كبيرة من المياه إلى عبء بدل أن تكون رصيداً استراتيجياً يمكن الاستفادة منه. ويرجع ذلك إلى محدودية قدرات التخزين، وضعف البنى التحتية الخاصة بتجميع مياه الأمطار، إضافة إلى غياب منظومة متكاملة تربط بين إدارة السيول وإعادة استخدامها في دعم الخزين المائي أو تغذية الأراضي الزراعية. ونتيجة لذلك، تضيع كميات كبيرة من المياه في الفيضانات بدلاً من توظيفها في معالجة عجز الفترات الجافة.

وفي المقابل، لا تقل مشكلة تدهور نوعية المياه خطورة عن ندرتها، إذ يشكل التلوث تحدياً متزايداً يؤثر بشكل مباشر على الصحة العامة والبيئة. فضعف منظومات المعالجة، وتداخل مياه الصرف مع المصادر المائية الطبيعية في بعض المناطق، أدى إلى تراجع ملحوظ في جودة المياه، ما يضع البلاد أمام معضلة مركبة تتعلق بتوفر المياه الصالحة للاستخدام وليس مجرد توفر المياه.

أما القطاع الزراعي، فيعد الأكثر تأثراً بهذه الاختلالات، نظراً لاعتماده الكبير على أنماط ري تقليدية لا تتناسب مع طبيعة التغيرات المناخية الحالية. ومع غياب أدوات الحماية الاقتصادية والتقنية، يصبح الإنتاج الزراعي عرضة لتقلبات حادة، حيث يؤدي الجفاف أو الفيضانات إلى خسائر مباشرة في المحاصيل والدخل الريفي، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على الأمن الغذائي واستقرار الأسواق المحلية.

الخبير الدولي الدكتور المهندس رئيس لجنة السياسات المائية والأمن المائي التابعة إلى تجمع الفاو

كما أن التأثيرات لا تقف عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية، حيث تسهم الأزمات المائية في دفع المزيد من السكان نحو الهجرة من المناطق الريفية إلى المدن، نتيجة تراجع فرص العمل الزراعي وازدياد صعوبة الاستقرار المعيشي في تلك المناطق. هذا التحول يخلق ضغطاً إضافياً على المدن ويعيد تشكيل التوزيع السكاني بشكل غير متوازن.

ورغم وضوح حجم التحدي، لا تزال منظومة إدارة المياه تعاني من فجوات مؤسسية وفنية، تتمثل في ضعف أنظمة الإنذار المبكر، وغياب التخطيط طويل الأمد، وعدم دقة خرائط المخاطر المتعلقة بالفيضانات. وغالباً ما تأتي الاستجابة للأزمات بعد وقوعها، بدلاً من اعتماد نهج وقائي يقلل من آثارها قبل حدوثها. كما أن تعدد الجهات المعنية بإدارة الملف المائي دون تنسيق كافٍ يؤدي إلى تشتت الجهود وتراجع الفاعلية العامة.

ويضيف التغير المناخي طبقة إضافية من التعقيد، من خلال زيادة شدة الظواهر المتطرفة، ورفع وتيرة الجفاف، وتقليل القدرة على التنبؤ بسلوك الموارد المائية. وهذا يجعل الوضع المائي أكثر تقلباً وعدم استقرار، ويضع ضغوطاً متزايدة على الأنظمة القائمة.

في المحصلة، يمكن القول إن العراق يقف أمام معادلة مائية مزدوجة: فائض مائي لا يتم استثماره بالشكل الصحيح، ونقص مائي يتفاقم في أوقات أخرى، ضمن سياق يتسم بضعف البنية التحتية وتراجع كفاءة الإدارة وتحديات الحوكمة. وبالتالي، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في كمية المياه المتاحة، بل في أسلوب إدارتها وتوجيهها.

ومن هنا، يصبح الإصلاح الحقيقي مرتبطاً بإعادة بناء منظومة مائية حديثة قادرة على التخزين الفعّال، وتقليل الهدر، وتحسين جودة المياه، وتوزيعها بعدالة وكفاءة. وعندها فقط يمكن تحويل التحدي المائي من مصدر ضغط مستمر إلى فرصة لإعادة التوازن وتعزيز الاستقرار على المدى البعيد.

الاخبار العاجلة