
بقلم: مصطفى زكريا
المسافة بين الأبيض والأسود ليست مجرد فرق ألوان، بل فرق بين منهجين في الحياة.
بين من يرى القيمة في المبدأ، ومن يرى القيمة في المصلحة.
بين من يبني نفسه بالصدق والعمل، ومن يبني مكانته بالتسلق والانحناء.
في كل مجتمع، ستجد دائما ً فئة لا تنزعج من الفساد بقدر ما تنزعج من وجود إنسان نقي.
فالشخص الشريف يربكهم،
وصاحب الموهبة يهددهم،
والإنسان الذي يرفض بيع ضميره يوقظ داخلهم شعورا ً يحاولون الهروب منه: شعور النقص.
ولهذا لا تكون معركتهم الحقيقية مع الخطأ، بل مع كل من يفضحه بمجرد حضوره.
هم لا يجيدون الإبداع، ولا يملكون مشروعا ً حقيقيا ً، لذلك يبحثون عن البقاء بأي وسيلة.
يقتربون من أصحاب النفوذ لا احتراما ً لهم، بل خوفا ً على مصالحهم.
يجيدون التلوّن أكثر من الثبات، والتصفيق أكثر من التفكير، والانحناء أكثر من المواجهة.
ومع الوقت، تتحول هذه الممارسات إلى ثقافة كاملة؛
ثقافة تعتبر التملق “ذكاء”،
والثبات على المبدأ “سذاجة”،
والصراحة “تهورا ً ”،
أما النقاء .. فيصبح تهمة غير مريحة.
ولهذا تراهم “يُهَّمِشون” كل صاحب موقف، ويحاولون إبعاد كل صاحب تأثير حقيقي، لأن وجوده يكشف هشاشتهم.
فالموهوب يفضح الرداءة دون أن يتكلم، والنزيه يفضح الفساد دون أن يهاجم أحدا ً، وصاحب الكرامة يُربِك كل من اعتاد “الانحناء”.

لكن المفارقة أن هؤلاء، مهما ارتفعت أصواتهم، او استمرت همهماتهم .. يظلون مجرد ضوضاء مؤقتة في حياة الأمم.
أما أصحاب القيم الحقيقية، فقد يتعبون، وقد يُحاربون، وقد يُؤذَون أحيانا ً، لكنهم يبقون .. لأن الأثر الحقيقي لا يصنعه المنتفعون، بل يصنعه “أصحاب الرسالة”.
التاريخ لا يتذكر من كانوا يصفقون بجوار الكرسي، بل يتذكر من حافظوا على مبادئهم حتى وهم وحدهم.
فالأسود قد يملأ المشهد لحظة، لكنه لا يستطيع أن يصبح نورا ً أما الأبيض .. فتكفيه بقعة صغيرة صادقة ليكشف حجم العتمة كلها.
