لم يعد امتلاك الموارد الطبيعية أو القوة الاقتصادية وحده معياراً لقياس نفوذ الدول، بل أصبحت القدرة على بناء اقتصاد رقمي متطور واستثمار تقنيات الذكاء الاصطناعي والاتصالات الحديثة هي المؤشر الحقيقي للتنافسية العالمية. وفي هذا السياق، يكشف مؤشر جاهزية الشبكات 2025 عن خريطة جديدة للتحول الرقمي، تبرز فيها فجوات كبيرة بين دول العالم، وتسلط الضوء على التحديات التي تواجه دول إفريقيا جنوب الصحراء في سعيها لبناء اقتصادات رقمية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الابتكار، ورفع جودة الحياة.
أصبحت الرقمنة أحد أهم محركات النمو الاقتصادي والاجتماعي في العالم، مدفوعة بالتوسع المتسارع في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وإنترنت الأشياء. ولم يعد نجاح الدول يقاس فقط بامتلاك البنية التحتية الرقمية، وإنما أيضاً بقدرتها على توظيف التكنولوجيا في تطوير الاقتصاد، ورفع كفاءة المؤسسات، وتمكين الأفراد، وتعزيز جودة الخدمات العامة.
وفي هذا الإطار، يبرز مؤشر جاهزية الشبكات (Network Readiness Index – NRI) بوصفه أحد أهم المؤشرات الدولية التي تقيس مدى استعداد الدول للاستفادة من التحول الرقمي. ويصدر المؤشر عن معهد بورتولانز، ويشمل في نسخة 2025 تقييم 127 دولة حول العالم، من بينها 26 دولة في إفريقيا جنوب الصحراء، اعتماداً على 53 مؤشراً فرعياً موزعة على أربع ركائز رئيسية هي: التكنولوجيا، والأفراد، والحوكمة، والأثر.
وتقيس ركيزة التكنولوجيا مدى توافر البنية الرقمية، وانتشار خدمات الاتصالات، وإنتاج المحتوى الرقمي، والاستثمار في التقنيات المستقبلية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء. أما ركيزة الأفراد فتقيس جاهزية المواطنين، وقطاع الأعمال، والحكومات لاستخدام التقنيات الرقمية وتوظيفها في مختلف القطاعات الاقتصادية والخدمية.
في المقابل، تركز ركيزة الحوكمة على البيئة التنظيمية التي تدعم الاقتصاد الرقمي، من خلال قياس مستويات الثقة والأمن السيبراني، وكفاءة التشريعات، ومدى شمول السياسات الرقمية لجميع فئات المجتمع. بينما ترصد ركيزة الأثر النتائج الاقتصادية والاجتماعية للتحول الرقمي، بما يشمل الابتكار، وتحسين جودة الحياة، ودعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وتكشف نتائج المؤشر أن دول إفريقيا جنوب الصحراء لا تزال تواجه تحديات كبيرة في بناء منظومات رقمية متكاملة، رغم التحسن التدريجي في بعض المؤشرات المتعلقة بالبنية التحتية وانتشار خدمات الاتصالات. وتتمثل أبرز العقبات في محدودية الاستثمارات، وضعف الإنفاق على البحث والتطوير، واتساع الفجوة الرقمية، إضافة إلى نقص الكفاءات المتخصصة في التقنيات الحديثة.
ورغم هذه التحديات، يشير المؤشر إلى وجود فرص واعدة أمام القارة، خصوصاً مع تنامي الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي، واتساع استخدام الخدمات المالية الإلكترونية، واهتمام الحكومات بوضع استراتيجيات للتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، بما يسهم في تحسين تنافسية الاقتصادات الإفريقية خلال السنوات المقبلة.
ويؤكد مؤشر جاهزية الشبكات 2025 أن مستقبل التنمية لن يتحدد بحجم الموارد الطبيعية فقط، وإنما بقدرة الدول على الاستثمار في المعرفة والابتكار والمهارات الرقمية. وبالنسبة لإفريقيا جنوب الصحراء، فإن تقليص الفجوة الرقمية، وتعزيز البنية التحتية، وتطوير رأس المال البشري، وإرساء بيئة تنظيمية مرنة، تمثل ركائز أساسية لتحويل التحول الرقمي إلى محرك حقيقي للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة.













