المطورون العقاريون يكشفون أسرار التسعير.. لماذا أصبحت الشقة بالملايين؟

شركات العقارات تبيع بأسعار الغد... والمواطن يشتري بدخل اليوم

منذ ساعتينآخر تحديث :
المطورون العقاريون يكشفون أسرار التسعير.. لماذا أصبحت الشقة بالملايين؟
تحقيق: فاطمة خليفة:

,, لا أبيع بسعر اليوم… أنا أبيع بسعر ما سيحدث بعد أربع سنوات

,, لا توجد جهة تحدد أسعار العقارات… السوق هو الذي يفرضها

,, ارتفاع المبيعات لا يعني أن المصريين أصبحوا قادرين على الشراء، بل أن القوة الشرائية تركزت في شريحة محدودة

،، المشتري الذي يبحث عن السكن لم يعد اللاعب الرئيسي في السوق بل المستثمر أصبح المحرك الأكبر

,, العقار تحول من مسكن إلى مخزن للقيمة

,, أنظمة التقسيط ليست فخًا… لكنها أصبحت أيضًا أداة لاستمرار المبيعات

,, بعض الشركات تستخدم مبيعات المشروعات الجديدة لاستكمال مشروعات قديمة

 

حين ترتفع أسعار أي سلعة، يكون السؤال المعتاد: كم بلغت تكلفة إنتاجها؟ لكن في سوق العقارات المصرية، لا تبدو الإجابة بهذه البساطة.

فالوحدة التي يبدأ تنفيذها اليوم لا تسعّر وفق تكلفة بنائها الحالية، وإنما وفق ما قد تصبح عليه تلك التكلفة بعد ثلاث أو أربع سنوات، ولا يقتصر تحديد سعرها على الحديد والأسمنت ومدخلات البناء، بل يمتد ليشمل توقعات التضخم، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكلفة التمويل والأراضي.

 

هكذا يفسر المطورون العقاريون موجات الارتفاع المتتالية التي دفعت أسعار الوحدات إلى مستويات تجاوزت قدرة شريحة واسعة من المصريين، في وقت تواصل فيه الشركات الإعلان عن مبيعات قياسية. 

 

لكن هل تكفي هذه الرواية لتفسير اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخول، أم أن الصورة أكثر تعقيدًا؟

يواصل “العربي الأفريقي” فتح ملف السوق العقارية في مصر، ويطرح تساؤلاته على الخبير العقاري “محمد عبد الحليم”، رئيس مجلس إدارة شركة “كازاريكا” للعقارات والتسويق العقاري، حول سياسات تسعير الوحدات السكنية، وما إذا كانت الأسعار تعكس التكلفة الفعلية، أم أن للحكاية وجه آخر؟

 

على امتداد السنوات الأخيرة، ارتبطت موجات ارتفاع أسعار العقارات في أذهان كثير من المواطنين بجشع المطورين العقاريين، بينما ظلت شركات التطوير ترد بأن الأسعار لم تعد تُبنى على تكلفة الأسمنت والحديد وحدهما، بل على معادلة اقتصادية أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها أسعار الأراضي، وسعر الفائدة، وتقلبات سعر الصرف، والتضخم، وفترة تنفيذ المشروع التي تمتد لسنوات.

 

من الذي يضع هذه الأسعار أصلًا؟

في البداية يوضح “عبد الحليم” لا يمكن اختزال أسعار العقارات في تكلفة الحديد والأسمنت أو أعمال الإنشاء، مؤكدًا أن المطور العقاري لم يعد يستطيع تسعير مشروعاته وفق أسعار السوق وقت طرحها، لأن المشروع الذي يبدأ بيعه اليوم لن يُسلم للمشتري قبل ثلاث أو أربع سنوات.

ويضيف: إن الشركات أصبحت تلجأ إلى ما يسميه “التسعير التحوطي”، وهو أسلوب يعتمد على احتساب المتغيرات الاقتصادية المتوقعة طوال فترة تنفيذ المشروع، وليس فقط تكلفة البناء الحالية.

 

ويقول “عبد الحليم”: أن المطور عندما يحدد سعر الوحدة، فإنه يضع في حساباته احتمالات ارتفاع معدلات التضخم، وتغير أسعار الصرف، وزيادة أسعار الحديد والأسمنت والخامات المستوردة، إلى جانب تكاليف التمويل، حتى لا يجد نفسه بعد سنوات أمام مشروع تُباع وحداته بأسعار تقل عن تكلفة تنفيذها الفعلية.

ويؤكد: لا يسعر على أساس تكلفة اليوم، وإنما يضع في اعتباره ما قد يحدث خلال السنوات المقبلة من تضخم أو تغير في أسعار الصرف أو ارتفاع في أسعار مواد البناء، لأن المشروع لن يُسلم غدًا، وإنما بعد سنوات.”

 

وبحسب عبد الحليم، فإن كثيرًا من الشركات التي أطلقت مشروعاتها قبل موجات التضخم الأخيرة واجهت فجوات تمويلية كبيرة بعد ارتفاع تكلفة التنفيذ بصورة تجاوزت ما تضمنته دراسات الجدوى عند بدء المشروع، وهو ما دفع القطاع بأكمله إلى إعادة النظر في سياسات التسعير، لتصبح أكثر تحفظًا في مواجهة أي متغيرات اقتصادية جديدة.

ولا ينفي أن هذه السياسة ساهمت في رفع أسعار الوحدات، لكنه يعتبرها، من وجهة نظره، وسيلة لحماية استثمارات تمتد لسنوات، وليست مجرد محاولة لزيادة الأرباح.

 

ارتفاع المبيعات لا يعني أن المصريين أصبحوا قادرين على الشراء

رغم الأرقام القياسية التي تعلنها شركات التطوير العقاري، يكشف “عبد الحليم”: أن تفسير هذه المبيعات يحتاج إلى قراءة أكثر دقة، مؤكدًا أن ارتفاع قيمة المبيعات لا يعني بالضرورة اتساع قاعدة المشترين أو تحسن القدرة الشرائية للمواطنين.

وبحسب رؤيته، تعكس هذه الأرقام في المقام الأول تركز القوة الشرائية في شريحة محدودة من العملاء، أكثر مما تعكس زيادة عدد الأسر القادرة على شراء العقارات.

 

ويشير “عبد الحليم” إلى أن السوق يعتمد بصورة متزايدة على شريحة تمثل أصحاب الدخول المرتفعة، إلى جانب المصريين العاملين بالخارج، الذين ينظر كثير منهم إلى العقار باعتباره وسيلة لحفظ قيمة مدخراتهم، خاصة عند مقارنة الأسعار المحلية بما يعادلها بالعملات الأجنبية.

كما يقول: أن لمبيعات الكبيرة لا تعني أن عدد المشترين تضاعف، لكنها تعني أن القوة الشرائية أصبحت أكثر تركيزًا لدى شريحة تمتلك السيولة، سواء داخل مصر أو بين المصريين بالخارج.

 

ويعتقد “عبد الحليم” أن هذا التحول غيّر طبيعة السوق العقارية، فلم يعد المشتري الذي يبحث عن مسكن هو اللاعب الوحيد، بل أصبح المستثمر، أو من يسعى إلى حماية مدخراته من التضخم، أحد أبرز المحركات لاستمرار الطلب. 

 

لم يعد الباحث عن السكن هو اللاعب الرئيسي… المستثمر أصبح المحرك الأكبر

إذا كان المواطن العادي ينظر إلى الشقة باعتبارها خطوة نحو الاستقرار، فإن السوق العقارية كما يراها “عبد الحليم”، لم تعد تدار بهذه العقلية وحدها، إذ يرى أن السنوات الأخيرة، تغيرت طبيعة الطلب بصورة واضحة، وأصبح المشتري الذي يبحث عن مسكن دائم ينافس شريحة أخرى تختلف أهدافها تمامًا، وهي شريحة لا تدخل السوق بدافع الحاجة إلى السكن، وإنما بدافع الحفاظ على قيمة الأموال أو تحقيق عائد استثماري مستقبلي.

ويستطرد: أن العقار لم يعد بالنسبة لكثير من المشترين مجرد وحدة سكنية، وإنما تحول إلى وعاء ادخاري واستثماري، خاصة مع تراجع القوة الشرائية للعملة وارتفاع معدلات التضخم خلال السنوات الماضية.

 

ويضيف “عبد الحليم”: هذه التحولات دفعت عددًا متزايدًا من أصحاب السيولة إلى توجيه مدخراتهم نحو العقارات، باعتبارها أصلًا يحتفظ بقيمته على المدى الطويل، بدلًا من الاحتفاظ بالنقد أو الاكتفاء بأدوات الادخار التقليدية.

كما يؤكد: أن العقار أصبح بالنسبة لشريحة كبيرة مخزنًا للقيمة، وليس مجرد مكان للسكن. كثير من المشترين يدخلون السوق اليوم بهدف الحفاظ على أموالهم أو إعادة بيع الوحدة لاحقًا، أكثر من دخولهم بحثًا عن مسكن.”

 

وبحسب قناعته، فإن هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حركة السوق، إذ لم يعد المطور يخاطب فقط أسرة تبحث عن منزل، بل أصبح يتعامل أيضًا مع مستثمر يحسب العائد المتوقع بعد سنوات، ويقارن بين العقار وغيره من الأصول الاستثمارية.

كما يرى أن هذا النوع من الطلب ساهم في استمرار حركة المبيعات، حتى في الفترات التي تراجعت فيها القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين.

 

أنظمة التقسيط ليست فخًا… لكنها أصبحت أيضًا أداة لاستمرار المبيعات 

إذا كان ارتفاع الأسعار قد جعل شراء وحدة سكنية نقدًا خارج قدرة أغلب الأسر، فإن أنظمة السداد الممتدة أصبحت السمة الأكثر حضورًا في السوق العقارية.

لكن السؤال الذي يطرحه كثيرون هو: هل جاءت هذه الأنظمة لتخفيف العبء عن المشتري، أم للحفاظ على استمرار المبيعات؟

 

يرفض عبد الحليم وصفها بـ”الفخ”، مؤكدًا أنها كانت استجابة مباشرة للتحولات التي شهدها السوق، بعدما أصبحت مقدمات الحجز التقليدية تمثل عبئًا يصعب على كثير من العملاء تحمله.

 

ويقول: إن المطورين اضطروا إلى إعادة صياغة نظم السداد، من خلال تخفيض قيمة المقدم وإطالة مدد التقسيط، حتى تصبح الأقساط أكثر توافقًا مع التدفقات النقدية للمشترين.

إلا أنه يرى أن هذه الأنظمة لم تعد تؤدي وظيفة تمويلية فقط، بل أصبحت أيضًا جزءًا من استراتيجية التسويق داخل القطاع.

 

ويضيف: المستثمر في كثير من الأحيان لا ينظر إلى السعر الإجمالي للوحدة بقدر ما ينظر إلى قيمة القسط، لأنه يخطط لإعادة بيعها قبل انتهاء مدة السداد وتحقيق ربح رأسمالي.”

 

ومن هنا، وبحسب عبد الحليم، لم يعد التقسيط مجرد وسيلة لتسهيل التملك، بل أصبح أحد الأدوات التي ساهمت في الحفاظ على نشاط السوق، وجذب شرائح جديدة من المستثمرين الذين يتعاملون مع الوحدة العقارية باعتبارها أصلًا ماليًا يمكن تداوله.

 

ومع ذلك، يحذر “عبد الحليم”: من أن هذا النموذج يحمل في الوقت نفسه قدرًا من المخاطرة، إذا لم يربط المشتري بين التزاماته المستقبلية وقدرته الحقيقية على السداد.

ويكمل: المشكلة ليست في التقسيط نفسه، وإنما في أن يلتزم المشتري بأقساط تفوق قدرته الفعلية على المدى الطويل، اعتمادًا على توقعات قد لا تتحقق.

 

بعض الشركات تستخدم مبيعات المشروعات الجديدة لاستكمال مشروعات قديمة 

من أكثر القضايا التي تثير شكاوى المشترين تأخر تسليم الوحدات، وهي ظاهرة تتكرر في عدد من المشروعات العقارية.

يفسر “عبد الحليم” ذلك معتبرا أن هذه الظاهرة لا يرتبط بسبب واحد، وإنما يجمع بين الضغوط الاقتصادية وطريقة إدارة بعض الشركات لمواردها المالية.

 

ويضيف: إن شركات كثيرة باعت وحداتها في فترات كانت فيها تكلفة التنفيذ أقل كثيرًا من مستوياتها الحالية، ثم فوجئت بارتفاعات كبيرة في أسعار الخامات ومدخلات البناء، وهو ما خلق فجوات تمويلية لم تكن محسوبة عند إطلاق المشروعات.

 

كما يعتبر “عبد الحليم” أن بعض المطورين اضطروا إلى إبطاء وتيرة التنفيذ أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، في محاولة لتوفير السيولة اللازمة لاستكمال الأعمال.

لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى وجود سبب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في الإدارة المالية لبعض الشركات.

 

ويشرح “عبد الحليم” أن بعض المطورين لا يفصلون ماليًا بين المشروعات، فتُستخدم حصيلة مبيعات مشروع جديد في استكمال مشروع أقدم، وهو ما يجعل المنظومة أكثر هشاشة إذا تراجعت المبيعات أو تباطأت.

 

ويعيد التأكيد على أن غياب الفصل المالي الكامل بين المشروعات قد يؤدي إلى ضغوط على التدفقات النقدية، ويجعل أي تباطؤ في المبيعات ينعكس مباشرة على معدلات التنفيذ.”

 

كما يرى أن هذا النموذج يحتاج إلى قدر أكبر من الانضباط المالي، حتى لا يتحول المشترون في مشروع جديد إلى مصدر تمويل غير مباشر لمشروعات أخرى.

 

لا توجد جهة تحدد أسعار العقارات… السوق هو الذي يفرضها 

رغم اختلاف التفسيرات التي يقدمها المطورون لآليات التسعير، يبقى السؤال الأكثر حضورًا لدى المواطنين: من يحدد السعر النهائي للوحدة؟

 

يرى محمد عبد الحليم أن السوق العقارية في مصر لا تخضع لتسعيرة حكومية أو جهة تحدد قيمة بيع الوحدات، وإنما تعتمد على آليات السوق الحرة، حيث يضع كل مطور تسعير مشروعه وفق ما يراه مناسبًا لتكلفة التنفيذ، وسعر الأرض، وموقع المشروع، ومستوى الطلب.

 

ويؤكد أن المنافسة بين الشركات تمثل، من وجهة نظره، أحد أهم الضوابط الطبيعية للأسعار، مشيرًا إلى أن المطور الذي يبالغ في التسعير دون مبرر قد يفقد قدرته على البيع لصالح مشروعات منافسة.

 

وفي المقابل، يشير “عبد الحليم”  إلى أن الدور الرقابي للدولة يتركز في تنظيم السوق ومنح التراخيص ومتابعة تنفيذ المشروعات، أكثر من التدخل المباشر في تحديد الأسعار.

 

هل يشتري المواطن الآن… أم ينتظر؟

وعن الوضع الحالي للسوق العقارية في مصر، والتوقيت المناسب للشراء، والنصيحة التي يمكن أن تقدمها لمواطن متوسط الدخل يبحث عن أول شقة لأسرته، هل يشتري الآن أم ينتظر؟

 

لم يقدم عبد الحليم إجابة قاطعة، لكنه يرى أن القرار يجب أن يرتبط بقدرة المشتري على الوفاء بالتزاماته المالية، وليس بالخوف من استمرار ارتفاع الأسعار أو توقع انخفاضها.

 

في النهاية ينصح “عبد الحليم” المواطن بالاختيار الأمثل للمشروع المناسب لقدرته المالية الحقيقية، موضحا أن شراء وحدة سكنية يظل قرارًا طويل الأجل، يعتمد على قدرة المشتري، حتى لا تتحول الأقساط الممتدة إلى عبء يفوق قدرته على السداد.

 

إذا كان ارتفاع الأسعار يحمي المستثمر فمن ينقذ المواطن؟

تظل الرؤية التي يقدمها المطورون عن تكلفة البناء وحدها والمتغيرات الاقتصادية والتمويلية والاستثمارية، تعكس رؤيتهم الاستثمارية، بينما يرى قطاع واسع من المواطنين أن النتيجة واحدة: شقة أصبحت أبعد من قدرتهم على الشراء.

وبين هاتين الرؤيتين، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تعكس الأسعار بالفعل التكلفة الحقيقية للعقار، وبالتالي يصبح ارتفاع سعرها هو الحل الوحيد لحماية المستثمر من الخسائر، ولكن من يحمي المواطن الذي يبحث عن شقة للسكن وليس للاستثمار؟

الاخبار العاجلة