العلمين تجمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا.. من طاولة الدبلوماسية إلى طاولة الطعام

14 أغسطس 2026آخر تحديث :
العلمين تجمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا.. من طاولة الدبلوماسية إلى طاولة الطعام
تقرير- فاطمة خليفة:

اجتمع وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا في مدينة العلمين، في لقاء وصف بأنه «أخوي»، بالتزامن مع محادثات مصرية تركية تناولت ملفات سياسية واقتصادية، في مؤشر على استمرار التنسيق بين القاهرة والرياض وأنقرة بشأن التطورات المتسارعة في المنطقة.

 

وضم اللقاء بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، وهاكان فيدان وزير خارجية تركيا، والأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي، حيث بحث الوزراء مستجدات الأوضاع الإقليمية والقضايا ذات الاهتمام المشترك، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية المصرية.

 

وجاء اللقاء الثلاثي في الوقت الذي كان فيه عبد العاطي وفيدان يعقدان الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة بين مصر وتركيا، والذي استهدف متابعة تنفيذ مخرجات الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، الذي عقد في القاهرة خلال فبراير 2026.

 

الصورة التي جمعت الوزراء الثلاثة خارج قاعات الاجتماعات كانت هي الأكثر لفتًا للانتباه؛ إذ ظهر بدر عبد العاطي وهاكان فيدان وفيصل بن فرحان بملابس غير رسمية، وهم يجلسون معًا في أحد مطاعم مدينة العلمين الجديدة، في مشهد بدا أقرب إلى لقاء ودي بين أصدقاء منه إلى اجتماع تقليدي بين مسؤولين حكوميين.

 

ولفت الانتباه أيضًا ظهور الوزراء الثلاثة بملابس بيضاء، في مشهد جمع بينهم بصريًا، بينما بدت الجلسة بعيدة عن البروتوكول المعتاد للقاءات الدبلوماسية، وهو ما منح الصورة دلالة مختلفة عن البيانات الرسمية التي صدرت بشأن التحركات واللقاءات التي شهدتها العلمين.

 

وتكتسب هذه الصورة أهميتها من أن الوزراء الثلاثة يمثلون دولًا ذات ثقل إقليمي، وتجمعها ملفات متشابكة تتجاوز العلاقات الثنائية إلى أزمات المنطقة، من الحرب في غزة والتطورات في سوريا وليبيا، إلى أمن البحر الأحمر والتوترات الإقليمية والعلاقات مع القوى الدولية.

 

من التشاور السياسي إلى ملفات التجارة والاستثمار

وشهد الاجتماع المصري التركي بحث سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، مع تأكيد هدف رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار، إلى جانب العمل على توسيع نطاق اتفاقية التجارة الحرة وإزالة العقبات أمام الاستثمارات.

 

كما طرح عبد العاطي على الجانب التركي دراسة إنشاء منطقة صناعية تركية متكاملة الخدمات في مصر، مع إمكانية جذب استثمارات في قطاعات تشمل صناعة السيارات والألومنيوم والمعدات والكيماويات والمنسوجات والملابس الجاهزة، ولا سيما في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

 

وتطرقت المباحثات كذلك إلى إعادة تفعيل خط الملاحة البحرية بين مصر وتركيا بنظام «الرورو»، بما يدعم نقل البضائع، خاصة السلع سريعة التلف، ويعزز سلاسل الإمداد والربط اللوجيستي بين الموانئ في البلدين.

 

ثلاث وثائق تعاون على طاولة المباحثات

وفي ختام الاجتماع، وقع عبد العاطي وفيدان بروتوكول الاجتماع الثاني لمجموعة التخطيط المشتركة، كما جرى توقيع وثيقة بشأن انضمام مصر إلى مذكرة تفاهم مرتبطة بالتعاون في مجال الربط اللوجيستي.

 

وشهد الاجتماع أيضًا توقيع قرار يتعلق بقواعد المنشأ في إطار اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، في خطوة تستهدف دعم حركة التجارة وتيسير استفادة الشركات من الاتفاقية.

 

ماذا قيل بعيدًا عن الميكروفونات؟

يحمل اجتماع العلمين دلالة تتجاوز اللقاء البروتوكولي، إذ جمع في مساحة واحدة وزراء خارجية ثلاث دول ذات ثقل إقليمي، بينما كانت القاهرة وأنقرة تدفعان في الوقت نفسه مسارًا ثنائيًا يتضمن خطوات اقتصادية ولوجيستية ملموسة.

 

الصورة لا تكشف ما دار على الطاولة، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول ما يمكن أن تكون عليه أحاديث ثلاثة وزراء خارجية يمثلون مصر والسعودية وتركيا، في وقت تتقاطع فيه مصالح الدول الثلاث في ملفات إقليمية شديدة الحساسية.

 

مثل هذه اللقاءات غير الرسمية تمنح المسؤولين مساحة أوسع للحديث بصراحة عن السيناريوهات التي قد لا تجد طريقها إلى البيانات الرسمية، وبالتالي فيمكن وصف الحديث ولو تحليليا، بالمشاورات حول تبادل التقييمات الشخصية بشأن التطورات الإقليمية

 

قد يكون ملف غزة حاضرًا بقوة على المائدة، ليس فقط باعتباره أزمة إنسانية وسياسية، وإنما بسبب الأسئلة الأصعب المتعلقة باليوم التالي للحرب، ومستقبل قطاع غزة، وشكل أي ترتيبات سياسية وأمنية مقبلة، ومن يمكنه التأثير فيها أو المشاركة في صياغتها.

 

في المقابل، لن تكون سوريا بعيدة عن المناقشات فهي تفرض نفسها على أي نقاش مصري-تركي-سعودي؛ فالقاهرة والرياض وأنقرة تنظر كل منها إلى مستقبل سوريا من زاوية مختلفة، لكن استقرار البلاد وإعادة ترتيب علاقاتها الإقليمية يظل مصلحة مشتركة بدرجات متفاوتة.

 

ومن هنا يمكن أن يكون النقاش غير الرسمي قد اتجه إلى سؤال أوسع: هل تتجه المنطقة إلى صيغة جديدة من التفاهمات العربية-التركية بشأن سوريا؟

 

أما ليبيا، فهي حاضرة في حسابات الدول الثلاث ولو من زاوية أخرى، خاصة أن مصر وتركيا والسعودية لديها حسابات مختلفة بشأن مستقبل الدولة الليبية، وموازين القوى داخلها، ومسار التسوية السياسية. وقد يكون اللقاء فرصة لتبادل الرؤى بعيدًا عن صرامة المواقف المعلنة.

 

العلاقة بين تركيا ودول الخليج نفسها تعد جزءًا من ملفات المنطقة، خصوصًا أن الرياض وأنقرة قطعتا خلال السنوات الأخيرة خطوات باتجاه إعادة بناء العلاقات، فيما تحافظ مصر أيضًا على علاقات وثيقة مع السعودية.

 

وهنا يبرز سؤال أكبر: هل تتحول هذه العلاقات المنفصلة إلى مساحة أوسع من التنسيق الثلاثي حول أزمات المنطقة؟

هل كانت المائدة اختبارًا لتقارب أكبر؟

السيناريو الأكثر إثارة ربما لا يتعلق بملف إقليمي بعينه، وإنما بطبيعة العلاقة التي يمكن أن تتشكل بين الدول الثلاث.
فوجود وزير الخارجية المصري إلى جانب نظيريه السعودي والتركي في جلسة غير رسمية قد يعكس، رغبة في إبقاء قنوات التواصل مفتوحة خارج الأطر الثنائية التقليدية، خاصة في منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، ولم يعد من السهل إدارة الأزمات عبر تحالفات ثابتة أو محاور مغلقة.

 

ومن الممكن أيضًا أن تكون الجلسة قد أتاحت اختبار مدى قابلية المواقف المختلفة للتقارب قبل نقل أي تفاهم محتمل إلى طاولة التفاوض الرسمية. فالمحادثات غير الرسمية، في العادة، لا تنتج اتفاقات معلنة بالضرورة، لكنها قد تساعد في معرفة أين يمكن الاتفاق وأين تبدأ نقاط الخلاف.

 

ماذا لو كانت الأحاديث أبعد من الملفات الرسمية؟
قد تصبح الصورة أكثر إثارة من البيان نفسه، فالوزراء بالطبع قد ناقشوا ببساطة تطورات المنطقة كما يفعل أي مسؤولين خلال لقاء جانبي، وقد يكون النقاش قد ذهب إلى تقييمات أكثر صراحة بشأن مواقف الولايات المتحدة، ومستقبل العلاقات مع القوى الدولية، أو شكل النظام الإقليمي الذي يتبلور بعد سنوات من الحروب والأزمات.

 

وعن مستقبل المنطقة الذي يظل حاضرا بشدة في وجدان هذه الدول الثلاث الاكثر تأثيرا في المشهد، فهل بحث اللقاء احتمالات المرحلة المقبلة، وهل تتجه المنطقة إلى مزيد من التصعيد؟ هل يمكن أن تعود الدبلوماسية إلى لعب دور أكبر في إدارة الأزمات؟ وهل تستطيع الدول العربية وتركيا بناء تفاهمات تقلل الاعتماد على القوى الكبرى في إدارة ملفات المنطقة؟

 

تظل تلك الأسئلة مشروعة وتفرضها طبيعة اللقاء وموقع الوزراء الثلاثة، وتمنحها الصورة قيمة تتجاوز كونها مجرد لقطة عابرة من مدينة العلمين.

 

وفي النهاية، ربما لا تكون أهمية الصورة فيما قيل على الطاولة بقدر ما تكمن في من جلس حولها أصلًا: مصر والسعودية وتركيا، ثلاث عواصم تختلف في بعض الملفات وتتقاطع في أخرى، لكنها جميعًا تحاول التعامل مع منطقة تدخل مرحلة جديدة، وقد تحتاج فيها الخلافات إلى طاولة تفاوض، بينما تحتاج التفاهمات أحيانًا إلى طاولة أبعد عن البروتوكول.

الاخبار العاجلة