الفكاهة عند الفراعنة.. تاريخ لا يخلو من الابتسام

منذ ساعتينآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: مصطفى زكريا

حين تُذكر الحضارة المصرية القديمة، تتجه الأذهان غالبا ََ إلى الأهرامات، والمعابد، والعلوم، والهندسة، والملوك، وأسرار التحنيط ؛ غير أن وراء هذه الصورة المهيبة وجها ََ آخر لا يقل أهمية، هو وجه الإنسان الذي عاش، وأحب، وعمل، وضحك أيضا ََ .. فالحضارات العظيمة لا تُقاس بما شيّدته من مبانٍ فحسب، بل بما تركته من ملامح إنسانية تكشف طبيعة المجتمع وروحه، وكانت الفكاهة إحدى هذه الملامح الواضحة في مصر القديمة.
ولعل من الأخطاء الشائعة أن يُنظر إلى المصري القديم باعتباره إنسانا ََ غارقا ََ في الطقوس والجدية طوال الوقت، بينما تكشف النصوص والرسوم الأثرية أن الحياة اليومية كانت أكثر ثراء ََ وتنوعا ََ، وأن روح الدعابة كانت حاضرة في الأدب والفن، بل وفي نظرة المصري إلى نفسه وإلى العالم من حوله.
ومن أشهر الروايات التي ارتبطت بهذا الجانب ما ورد في بردية وستكار عن الملك سنفرو، حيث شعر بالضيق والملل، فنصحه أحد حكمائه بأن يخرج في قارب تحركه مجموعة من الفتيات الجميلات، ليستعيد صفاء نفسه .. وخلال الرحلة سقطت إحدى الحلي في الماء، فتوقفت الفتاة عن التجديف، ثم حضر الساحر «جدي» وأعاد الحلية بطريقة إعجازية، فعادت البهجة إلى الجميع. ورغم أن هذه القصة تنتمي إلى الأدب المصري القديم أكثر من كونها سجلا ََ تاريخيا ََ موثقا ََ، فإنها تكشف بوضوح أن المصريين كانوا يدركون قيمة الترويح عن النفس، وأن الملوك أنفسهم لم يكونوا بعيدين عن لحظات المرح والابتسام.
كما عثر علماء الآثار على رسوم ساخرة تُعد من أبلغ الشواهد على حضور الفكاهة في المجتمع المصري القديم .. ففي بعض البرديات والرسوم ظهرت الحيوانات تؤدي أدوار البشر؛ فالفئران تقود القطط، والحمير تعزف الموسيقى، والأسود تخضع لمواقف عبثية، في مشاهد تحمل قدرا ََ واضحا ََ من السخرية والمفارقة. ولم تكن هذه الرسوم مجرد تسلية، بل عكست قدرة الفنان المصري على النقد غير المباشر، واستخدام الفكاهة للتعبير عن أفكار اجتماعية وسياسية بأسلوب ذكي.
وتتردد كثيرا ََ مقولة إن «أقدم نكتة في التاريخ» كانت مصرية ؛ والحقيقة أن هذا الادعاء يحتاج إلى قدر من التحفظ .. إذ تشير بعض الدراسات إلى نصوص سومرية قد تكون أقدم مثال معروف لنكتة مكتوبة، بينما يرى آخرون أن بعض النصوص المصرية القديمة تحمل روحا ََ ساخرة لا تقل قِدما ََ. ومن ثم؛ فإن الأمانة العلمية تقتضي عدم الجزم بأسبقية مطلقة لأي حضارة في هذا المجال، وإنما الاكتفاء بالقول إن المصريين القدماء كانوا بلا شك من أوائل الشعوب التي وثّقت حس الدعابة في نصوصها ورسومها.
ومن هنا؛ يصبح من المشروع أن نتحدث عن الفكاهة باعتبارها أحد مكونات الشخصية الحضارية المصرية .. فهي لم تكن حالة عابرة، وإنما أسلوبا ََ للتعامل مع الحياة، وتخفيفا ََ لأعبائها، ووسيلة للنقد والتعبير، وجسرا ََ يربط بين الإنسان ومجتمعه.
وربما لهذا السبب ظلت روح الدعابة حاضرة في الشخصية المصرية عبر العصور، تتجدد أشكالها وتختلف أدواتها، بينما يبقى جوهرها واحدا ََ بتحويل المشقة إلى ابتسامة، والأزمة إلى نكتة، والواقع الصعب إلى لحظة أمل.
وليس المقصود بذلك الادعاء بأن خفة دم المصريين انتقلت وراثيا ََ عبر الأجيال، فمثل هذا القول لا يستند إلى دليل علمي .. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن الثقافة تتوارث كما تتوارث اللغات والعادات والتقاليد، وأن المجتمعات ذات التاريخ الطويل تحتفظ بكثير من سماتها الحضارية، وإن أعادت صياغتها بما يتلاءم مع كل عصر.
وهكذا، فإن الابتسامة التي نراها اليوم على وجوه المصريين ليست دليلا ََ على أن حياتهم كانت دوما ََ سهلة، بل ربما كانت، كما كانت عند أجدادهم، وسيلة لمقاومة الصعاب والانتصار عليها.
وعندما نتأمل آثار مصر القديمة بعين مختلفة، سنكتشف أن بين الأحجار الصامتة ضحكات خافتة، ورسوما ََ ساخرة، وحكايات مرحة، تؤكد أن حضارة صنعت الأهرامات كانت تعرف أيضا ََ كيف تصنع الابتسامة.
بما يُعّد شاهدا ََ أيضا ََ على أن الحضارة المصرية لم تكن حضارة القوة والعلم فقط، بل كانت أيضا ََ حضارة الإنسان.

الاخبار العاجلة