اضطرت السلطات الجزائرية إلى إدخال تعديلات جوهرية على مشروع قانون المرور، بعد نحو أسبوعين من الاحتقان والاحتجاجات التي شلّت قطاع نقل المسافرين والبضائع، حيث أقرت مراجعة 11 مادة كانت محل اعتراض واسع من قبل مهنيي النقل، مع تخفيف العقوبات المشددة التي وُصفت بـ«التعجيزية».
وتهدف هذه الخطوة، بحسب مراقبين، إلى امتصاص غضب الناقلين وإعادة الهدوء إلى القطاع، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات السلامة المرورية والظروف الاجتماعية والاقتصادية للسائقين، بعيداً عن منطق «الجباية العقابية» والحلول الردعية الصارمة التي فجّرت الإضراب.
وفي خطوة لافتة، أعلن الأمين العام لـ«التجمع الوطني الديمقراطي»، منذر بودن، سحب «الطابع الزجري» من القانون، مؤكداً تخلي الحكومة عن 11 مادة كانت وراء تصاعد الاحتجاجات مع بداية العام الجاري، وذلك بعد أيام قليلة من اعتماد النص من قبل المجلس الشعبي الوطني. وأوضح أن الحكومة استجابت لمطالب المهنيين، رغم تأكيدها سابقاً أن تشديد العقوبات يهدف إلى الحد من حوادث الطرقات التي تحصد أكثر من 4 آلاف وفاة سنوياً.
من جانبه، سعى وزير الداخلية والنقل، سعيد سعيود، إلى التخفيف من حدة الجدل، مؤكداً أمام مجلس الأمة استعداده للاستقالة «على ألا يُقال إنني أسعى لفرض عقوبات قاسية على المواطنين». وجرى رسمياً التخلي عن العقوبات الزجرية في المواد محل النزاع خلال مناقشة المشروع في الغرفة البرلمانية العليا، في خطوة اعتُبرت محاولة حكومية لـ«تفكيك قنبلة احتجاجات الناقلين» خشية اتساع رقعتها إلى قطاعات أخرى.
ورغم تأكيد الحكومة أن القانون يهدف إلى تحديث الإطار القانوني لحركة السير، فقد واجه انتقادات حادة من أعضاء في مجلس الأمة، الذين حذروا من انعكاساته على السائقين المهنيين والمواطنين، مطالبين بتحقيق توازن بين الردع والوقاية، وأخذ تدهور البنية التحتية للطرقات ونقص قطع الغيار بعين الاعتبار.
ووصف النائب المعارض مهني حدادو المشروع بأنه «أحادي الجانب»، معتبراً أنه أُقر من دون تشاور حقيقي مع مهنيي النقل والنقابات والخبراء، ودعا إلى سحبه وتعويضه بنص نابع من حوار وطني شامل.
في المقابل، شدد وزير الداخلية والنقل على أن القانون «لا يهدف إلى معاقبة المواطنين بل إلى ضمان سلامتهم»، مؤكداً أن الجانب الزجري يُعد أداة وقائية قبل كل شيء. كما أوضح وزير العدل، لطفي بوجمعة، أن أقسى العقوبات تقتصر على الحالات الخطيرة، مثل القيادة تحت تأثير المخدرات أو الكحول، والفرار بعد الحوادث، واستعمال وثائق مزورة، مؤكداً أن الهدف هو حماية المواطنين وضمان حقهم في طرق آمنة، ضمن احترام صارم للضمانات القانونية.














