جرائم الأوطان لا تسقط بالتقادم

17 فبراير 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

لا لعبور آمن .. نعم للمحاسبة
ليست كل الجرائم تُقاس بعدد الضحايا، ولا بحجم الخسائر المادية، ولا حتى بضجيج الإعلام حولها، هناك نوع آخر من الجرائم أخطر وأعمق أثرا ً ؛ جرائم تُرتكب في حق وطن بأكمله، قرارات خاطئة تُتخذ بلا دراسة، سياسات تُدار بعناد، تصريحات تُطلق بلا مسؤولية، تحريض يُمارس بلا وعي، تضليل يُمرّر تحت ستار الحرية، صمتٌ متعمد حين يكون الصوت واجبا ً .. كل ذلك ليس أخطاء عابرة؛ بل أفعال قد تغيّر مصير أمة.
جرائم الأوطان لا تسقط بالتقادم؛ لأنها لا تصيب فردا ً، بل تُصيب أجيالا ً.
وما يُرتكب اليوم من استهتار أو جهل أو سوء تقدير قد يدفع ثمنه أطفال لم يولدوا بعد.
في القوانين الوضعية، هناك فرق بين الجريمة العمد والخطأ غير المقصود.
لكن في إدارة الشأن العام، الجهل ليس عذرا ً، وسوء التقدير ليس تفصيلا ً صغيرا ً.
من يتبوأ منصبا ً عاما ً – أيا ً كان موقعه: سياسيا ً، إعلاميا ً، اقتصاديا ً، ثقافيا ً، أو حتى مؤثرا ً جماهيريا ً – يصبح قراره وكلمته وأداؤه شأنا ً عاما ً، لا تصرفا ً شخصيا ً.
والموقع العام لا يحتمل الهواية، ولا يرحم الارتجال، فالوطن لا يُدار بالنوايا الحسنة وحدها.
كم من مسؤول ظن أنه يُصلح فأفسد، وكم من شخصية عامة اعتقدت أن كلماتها “رأي شخصي” بينما كانت تُشكل وعي جمهور كامل.
التأثير مسؤولية، والانتشار أمانة، والشهرة ليست حصانة من المحاسبة.
الأخطر من الخطأ ذاته؛ هو غياب المحاسبة .. حين يشعر صاحب القرار أن الزمن كفيل بطي الصفحة، وأن تبدُل المناصب يمحو المسؤولية، وأن الضجيج الإعلامي يغطي على النتائج .. هنا تبدأ الكارثة الحقيقية، لأن الإفلات من المساءلة لا يُنهي الخطأ بل يُشجّع تكراره.
المسؤولية لا تعني التشهير، ولا تعني تصفية الحسابات، ولا تعني تصيد الزلات، بل تعني وجود منظومة واضحة تقول:
كل من يمس المال العام، أو يعبث بالوعي العام، أو يُسيء استخدام موقعه، أو يُهدر فرصة وطنية، أو يُدخل البلاد في مسار ضرره أكبر من نفعه سيُسأل اليوم أو غدا ً أمام قانون عادل، أو أمام تاريخ لا يرحم.
الوطن ليس كيانا ً تجريبيا ً، وليس ساحة ً لتجارب غير مدروسة، ولا منصة لصراعات شخصية، ولا مسرحا ً للاستعراض، ولا حقلا ً لتصفية الخلافات.
الوطن عقدٌ أخلاقي بين من يحكُم ومن يُحكم، بين من يملك القرار ومن يتحمل نتائجه.
والأخطر من الفعل المقصود؛ هو الفعل غير المدروس، فالجهل في موقع القرار جريمة، لأن المنصب ليس حقا ً مكتسباً، بل مسؤولية تستوجب الكفاءة، ومن لا يملك أدوات الإدارة أو الفهم أو التقدير لا يملك حق التجربة في وطن بأكمله.
لقد تعلّمت الأمم المتقدمة أن المساءلة ليست ضعفا ً للدولة؛ بل هي صمام أمانها، وأن الدولة القوية لا تخاف من كشف الأخطاء، بل تخاف من تراكمها، والنظام الرشيد لا يحتمي بالأشخاص؛ بل يحتكم إلى مؤسسات.
إن أخطر ما قد يحدث لوطن هو أن يتحول الخطأ إلى عادة، وأن تُبرر القرارات الكارثية بذريعة “الظروف”، وأن يصبح النقد خيانة، والمراجعة تشكيكاً، والمحاسبة استهدافا ً.
في تلك اللحظة، لا يكون الخطر في الخارج، بل في الداخل.
جرائم الأوطان لا تسقط بالتقادم؛ لأن آثارها لا تختفي مع تغيير الأشخاص، ولا تزول بتبدل العناوين، ولا تُمحى بإعادة صياغة الروايات.
التاريخ لا يكتب النوايا؛ بل يسجل النتائج، ولا يسأل: هل كان عن قصد أم كان لحين النوايا ؟
بل يسأل: ماذا كانت الحصيلة؟
ماذا حدث للوطن، وأين أصبح المواطن؟
وإن كان من رسالة ختامية، فهي واضحة:
الموقع العام أمانة مضاعفة، ومن يتقدم لتحملها، أو تصنعه الظروف رمزا ً أو صاحب تأثير، فعليه أن يدرك أن الأضواء ليست تشريفا ً فقط، بل كشفا ً دائما ً، وأن الوطن قد يصبر، لكنه لا ينسى، وأن الزمن قد يمر .. لكن الحساب – إن لم يكن في ساحات القضاء – فسيكون في صفحات التاريخ.
فالوطن لا ينتقم .. لكنه لا يغفر الاستهانة به

الاخبار العاجلة