بين الضغط والتراجع.. هل تغيّر واشنطن قواعد التفاوض مع إيران؟

منذ 3 ساعاتآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

في عالم السياسة؛ لا تُقاس التحولات الكبرى بما يُعلن رسميا ً فقط، بل بما يتسرّب بين السطور، وما يُفهم من تغير النبرة قبل تغير المواقف.
خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت أحاديث وتحليلات تشير إلى وجود مرونة أمريكية متزايدة في التعامل مع الملف الإيراني، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي، أو بآليات التهدئة في الممرات البحرية، أو حتى في ترتيب أولويات التفاوض نفسها.
ورغم أن كثيرا ً من هذه الطروحات لا يزال في نطاق غير المؤكد، إلا أن مجرد تكرارها بهذا الزخم يطرح سؤالا ً مشروعا ً: هل نحن أمام تغيير فعلي في قواعد التفاوض .. أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي؟

الولايات المتحدة، التي تبنّت لسنوات سياسة “الضغط الأقصى”، وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدا ً مما توقعت .. فإيران لم تنهار اقتصاديا ً بالشكل الذي كانت تراهن عليه، ولم تتراجع استراتيجيًا ً، بل على العكس؛ نجحت إيران في تثبيت معادلة ردع غير تقليدية، تقوم على توسيع نطاق التأثير الإقليمي، وربط الملفات ببعضها البعض، من الخليج إلى البحر الأحمر.
في المقابل، لم تعد واشنطن تتحرك في بيئة دولية مريحة كما كان الحال سابقا ً.
التحولات في ميزان القوى العالمي، وتراجع القدرة على فرض الإملاءات الأحادية، وتزايد تكلفة التصعيد المباشر؛ كلها عوامل دفعت صانع القرار الأمريكي إلى إعادة التفكير، ليس في الأهداف، ولكن في الوسائل.

وهنا يكمن الفارق الدقيق:
هل ما نراه هو تراجع عن الثوابت .. أم تعديل في أدوات الوصول إليها؟

المؤشرات حتى الآن ترجّح أن واشنطن لا تتخلى عن أهدافها الاستراتيجية، لكنها قد تكون مستعدة لتخفيض سقفها التفاوضي مرحليا ً، مقابل تحقيق مكاسب أكثر إلحاحا ً، مثل تأمين الملاحة الدولية، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة لا يمكن التحكم في نتائجها.

وعلي الجانب الآخر؛ تدير طهران اللعبة بمنطق مختلف، فهي لا تسعى بالضرورة إلى “انتصار حاسم”، بقدر ما تسعى لإطالة أمد التوازن واستنزاف خصومها، وفرض واقع تفاوضي جديد يجعل أي اتفاق مستقبلي أقرب إلى الاعتراف بالأمر الواقع، لا تغييره.

ومن هنا؛ فإن الحديث عن “تنازلات أمريكية كبرى” قد يكون مبالغا ً فيه، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو من دلالات.
ففي السياسة، أحيانا ً لا يكون التنازل في القرار؛ بل في ترتيب الأولويات.

السؤال الأهم إذا ً ليس عن تراجع في الموقف الأمريكي ولكن ؛ إلى أي مدى هي مستعدة للذهاب في إعادة صياغة قواعد اللعبة؟

الإجابة لا تزال قيد التشكل؛ لكن المؤكد أن ما نشهده اليوم ليس مجرد جولة تفاوض عابرة، بل مرحلة انتقالية قد تعيد رسم ملامح التوازن في المنطقة لسنوات قادمة.

الاخبار العاجلة