لم يعد التقدم الإسرائيلي في جنوب لبنان يُقاس بعدد الكيلومترات التي تقطعها القوات البرية أو بعدد البلدات التي تنتقل من ساحة الاشتباك إلى دائرة السيطرة العسكرية، بل بات يُنظر إليه بوصفه مؤشراً على تحولات أعمق في ميزان القوى الميداني بين إسرائيل و«حزب الله». فخلال الأيام الأخيرة، شهدت الجبهة الجنوبية تطوراً لافتاً تمثل في تسارع وتيرة التوغل الإسرائيلي داخل عدد من القرى والبلدات الاستراتيجية، بعد أشهر من العمليات التي اتسمت بالحذر والتقدم البطيء.
هذا التحول الميداني يطرح جملة من التساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء نجاح القوات الإسرائيلية في تحقيق اختراقات متتالية خلال فترة زمنية قصيرة. فهل يعكس الأمر تغييراً في العقيدة القتالية الإسرائيلية واستفادة من دروس الحروب السابقة؟ أم أنه نتيجة مباشرة لتآكل القدرات الدفاعية لـ«حزب الله» بفعل الاستنزاف المستمر والخسائر البشرية واللوجستية التي تكبدها منذ اندلاع المواجهة؟
كما تثير التطورات الأخيرة تساؤلات بشأن مستقبل المعركة في جنوب لبنان، واحتمالات انتقال العمليات إلى مراحل أكثر تعقيداً واتساعاً، في ظل تمسك كل طرف بأهدافه الاستراتيجية، واستمرار الغطاء الجوي الإسرائيلي الكثيف، مقابل سعي «حزب الله» للحفاظ على قدراته القتالية ومنع تحول التقدم الإسرائيلي إلى واقع ميداني دائم.
وفي خضم هذه المعطيات، تبدو السيطرة الإسرائيلية على مواقع وبلدات ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدمتها قلعة الشقيف ومحيط وادي الحجير، محطة مفصلية قد تعيد رسم خريطة المواجهة في الجنوب اللبناني، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الصراع تحمل أبعاداً عسكرية وسياسية تتجاوز حدود الميدان المحلي إلى حسابات إقليمية أوسع.
شهدت جبهة جنوب لبنان خلال الأسبوع الماضي تطوراً ميدانياً لافتاً تمثل في تسارع وتيرة التقدم الإسرائيلي داخل عدد من البلدات والقرى الجنوبية، في تحول وصفه مراقبون بأنه الأسرع منذ انطلاق العمليات البرية الأخيرة مطلع مارس (آذار)، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن طبيعة الاستراتيجية الإسرائيلية الجديدة ومدى تأثر القدرات الدفاعية لـ«حزب الله» بعد أشهر من المواجهات المتواصلة.
وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات الإسرائيلية تمكنت خلال أسبوع واحد من فرض سيطرتها على خمس بلدات في القطاع الشرقي من الجنوب اللبناني، هي زوطر الشرقية وزوطر الغربية وأرنون ويحمر ودبين، بعد عمليات عسكرية سبقتها أسابيع من القصف المكثف ومحاولات التوغل المتكررة.
وبحسب المصادر، فإن هذا التقدم لم يكن مفاجئاً من الناحية العسكرية، بل جاء نتيجة تحضيرات ميدانية طويلة شملت استهداف البنية الدفاعية للمناطق المحيطة وإخلاء مساحات واسعة ضمن نطاق عملياتي يمتد لعشرات الكيلومترات، إضافة إلى اعتماد سياسة تدمير واسعة للمواقع والبنى التحتية لتسهيل حركة القوات البرية.
وجاءت السيطرة الإسرائيلية على قلعة الشقيف الأثرية والاستراتيجية لتشكل أبرز محطات التصعيد الأخير، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي إحكام قبضته على الموقع المطل على مساحات واسعة من جنوب لبنان، فيما وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العملية بأنها “تحول حاسم” في سير المعارك، معلناً توجيه تعليمات بتوسيع نطاق العمليات البرية.
استنزاف تدريجي لا انهيار مفاجئ
ويرى خبراء عسكريون أن ما جرى لا يعكس انهياراً سريعاً للمنظومة القتالية التابعة لـ«حزب الله»، بقدر ما يمثل نتيجة لاستراتيجية إسرائيلية اعتمدت على الاستنزاف طويل الأمد.
وقال العميد المتقاعد حسن جوني إن الجيش الإسرائيلي أمضى أكثر من شهرين في التحضير للسيطرة على محيط قلعة الشقيف، من خلال عمليات استطلاع وضربات نارية مكثفة ومحاولات تقدم متكررة على عدة محاور، قبل تحقيق الاختراق الأخير.
وأوضح أن القوات الإسرائيلية اعتمدت أسلوب التقدم البطيء والحذر، مستفيدة من التفوق الاستخباراتي والجوي لرصد مواقع إطلاق النار واستهدافها فوراً، الأمر الذي ساهم في إنهاك القدرات الدفاعية للحزب وإضعاف خطوطه الأمامية.
وأضاف أن «حزب الله» يواجه صعوبات متزايدة في تعزيز مواقعه أو تنفيذ مناورات ميدانية واسعة نتيجة الرقابة الجوية المستمرة والاستهداف المتكرر لطرق الإمداد والتحرك.
تفوق جوي وخسائر بشرية مؤثرة
من جهته، اعتبر العميد المتقاعد جورج نادر أن الجيش الإسرائيلي استفاد من دروس الحروب السابقة، لا سيما حرب عام 2006، عبر تجنب التوغل السريع واعتماد سياسة السيطرة التدريجية والاحتفاظ بالمواقع التي يتم الاستيلاء عليها.
وأشار إلى أن التفوق الجوي الإسرائيلي يمثل العامل الحاسم في المرحلة الحالية من العمليات، موضحاً أن «حزب الله» فقد عدداً كبيراً من كوادره العسكرية والقيادية خلال الأشهر الماضية، سواء عبر الاغتيالات أو المواجهات المباشرة، ما انعكس على كفاءة الوحدات القتالية المنتشرة في الميدان.
وأضاف أن المقاتلين الذين يقودون المعارك حالياً يفتقر كثير منهم إلى الخبرات القتالية التي كانت تتمتع بها القيادات والعناصر المخضرمة، الأمر الذي أثر على قدرة الحزب على إدارة معارك استنزاف طويلة ومعقدة.
معركة مفتوحة على احتمالات التصعيد
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تعكس دخول المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» مرحلة جديدة تتسم بتوسيع نطاق العمليات البرية وارتفاع وتيرة الاشتباكات، وسط تمسك كل طرف بأهدافه الاستراتيجية.
وفي ظل استمرار الغارات الجوية والعمليات البرية المتبادلة، تبقى الأنظار متجهة إلى جنوب لبنان، حيث تبدو المعركة مفتوحة على مزيد من التصعيد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهة وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي.













