ألاقيها منين ولا منين؟”.. حين تختصر جملة شعبية حال مجتمع

منذ 4 دقائقآخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

بقلم: لواء مصطفى زكريا

«ألاقيها منين ولا منين؟».. عبارة مصرية بسيطة، ربما سمعناها آلاف المرات، وربما قلناها نحن أنفسنا دون أن نتوقف طويلا ً أمام معناها. يقولها الإنسان حين تتزاحم عليه المشكلات، فلا يعرف بأيها يبدأ، ولا أيها يؤجل، ولا من أين يأتي بما يكفي لمواجهتها جميعاً.
لكنني أتساءل: هل كنا نسمع هذه العبارة في الماضي أكثر مما نسمعها اليوم، أم أنها أصبحت أكثر حضورا ً في حياة المصريين وإن اختلفت طريقة التعبير عنها؟
المشكلة ليست في وجود الضغوط؛ فلم يخلُ زمن منها، ولم تعش أسرة مصرية، غنية كانت أو فقيرة، حياة بلا هموم أو التزامات. الجديد ربما هو تزامن الضغوط وتعدد مصادرها، بحيث لا يعود الإنسان في مواجهة مشكلة واحدة يستطيع ترتيب حياته حولها، وإنما يجد نفسه أمام مجموعة من المطالب، لكل منها أولوية، وكل منها لا يحتمل التأجيل.
فهو لا يسأل فقط كيف يوفر الطعام، وإنما كيف يدفع فاتورة الكهرباء والمياه والغاز، ومصاريف المدارس والدروس، والعلاج والدواء، والمواصلات، والإيجار أو أقساط المسكن، وربما أقساط سيارة أو جهاز منزلي أصبح من ضروريات الحياة .. وإذا انتهى من أحدها، وجد الآخر ينتظره.
وهنا تصبح عبارة «ألاقيها منين ولا منين؟» أكثر من مجرد شكوى عابرة؛ إنها وصف لحالة يصبح فيها مجموع الأعباء أثقل من كل عبء منفرد.

وقد تكون المشكلة الأخطر أن الإنسان يستطيع في العادة التكيف مع الأزمة إذا عرف حدودها ونهايتها. يستطيع أن يقلل إنفاقه فترة، أو يؤجل شراء شيء، أو يستغني عن رفاهية، أو يتحمل ضيقا ً مؤقتا ً.
لكن ماذا يفعل عندما تمتد إعادة ترتيب الأولويات إلى الضروريات نفسها؟
عندما يصبح الاختيار بين احتياجات لا بين رغبات؟
هنا يتغير السؤال من: ماذا نستغني عنه؟ إلى: أي الضروريات نقدم وأيها نؤجل؟
وهذه نقطة تستحق أن تتوقف أمامها الحكومة وهي تقرأ المؤشرات الاقتصادية. فالأرقام الكلية مهمة، ومعدلات النمو والاستثمار والاحتياطي والدين والتضخم ضرورية لفهم اتجاه الاقتصاد، لكنها لا تكفي وحدها لقياس حياة الناس. المواطن لا يعيش داخل جدول إحصائي، وإنما يعيش داخل ميزانية أسرة تبدأ أول الشهر بمحاولة توزيع دخل محدود على مطالب لا تعترف كثيرا ً بحسابات الاقتصاد الكلي.
ولا يعني ذلك أن الدولة تستطيع إزالة جميع الأعباء، ولا أن الحل هو زيادة الأجور كلما ارتفعت الأسعار؛ فقد تلتهم الأسعار الزيادة سريعا ً .. وربما يكون الأجدى، كما قلت من قبل، أن يصبح أحد أهم أهداف السياسة الاقتصادية هو خفض تكلفة حياة المواطن، وليس فقط زيادة ما يدخل جيبه.
وهناك جانب آخر لا يقل أهمية. فحين يشعر الإنسان بأن كل ما يكسبه يذهب فقط لملاحقة الضروريات، يبدأ تدريجيا ً في فقدان الشعور بثمرة العمل. وهنا تتحول المسألة من مشكلة دخل وإنفاق إلى مشكلة نفسية واجتماعية: لماذا أعمل أكثر إذا كنت لا أشعر أنني أتقدم؟
وربما لهذا كانت العبارة الشعبية البسيطة أبلغ من عشرات المصطلحات الاقتصادية والاجتماعية. فالمصري الذي يقول «ألاقيها منين ولا منين؟» لا يقدم دراسة عن التضخم أو القوة الشرائية أو تكاليف المعيشة، لكنه يلخصها جميعا ً في سؤال واحد.
والمشكلة ليست أن يقولها مواطن ضاقت به الظروف يوما ً، فقد قالها المصريون في أزمنة كثيرة ومواقف مختلفة. المشكلة أن تتسع الدائرة حتى تصبح العبارة وصفا ً لحال مجتمع، لا شكوى عابرة لفرد.
وعندها لا يعود السؤال: ألاقيها منين ولا منين؟
بل يصبح السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا جميعا ً:
كيف نمنع المصري من أن يصل إلى مرحلة لا يعرف فيها من أين يبدأ؟

الاخبار العاجلة