
بقلم: لواء مصطفى زكريا
ما يجري من قطع وإزالة لأشجار كبيرة ومعمّرة في عدد من شوارع القاهرة والجيزة وغيرها من المحافظات لم يعد مشهدا ً عابرا ً يمكن المرور عليه باعتباره مجرد أعمال تنسيق أو تطوير. فحين تسقط شجرة احتاجت عشرات السنين حتى تبلغ هذا الحجم، فإن السؤال لا يتعلق بشجرة وحدها، وإنما بطريقة تفكير كاملة: كيف نفهم التطوير؟ وهل يمكن أن يصبح إزالة ما لا يمكن تعويضه جزءا ً من عملية يفترض أن هدفها تحسين حياة الإنسان؟
وقد أثارت أعمال التطوير في شارع جامعة الدول العربية، وما صاحبها من إزالة أشجار، تساؤلات مشروعة، خاصة مع الحديث عن أن بعض الأشجار كانت تعوق أعمال التطوير. ولكن هل يعني تعارض شجرة مع مخطط هندسي أن تكون الإزالة هي الحل الأول؟ أم أن الأصل أن يُعاد النظر في التصميم نفسه، وأن تُبحث إمكانات الحفاظ على الأشجار أو نقلها كلما كان ذلك ممكنا ً، ولا تصبح الإزالة إلا استثناء تفرضه ضرورة حقيقية لا بديل عنها؟
فالتشجير ليس عائقا ً أمام التطوير، بل هو أحد أهم عناصره. والمدن الحديثة لا تقاس فقط باتساع طرقها وكفاءة محاورها وجمال أرصفتها، وإنما أيضا ً بمقدار ما توفره لسكانها من ظل وهواء ومساحات خضراء وقدرة على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة والتلوث. وقد أصبح الغطاء الشجري في المدن جزءا ً من مفهوم البنية الأساسية الحضرية، وليس مجرد عنصر تجميلي يمكن الاستغناء عنه عند أول تعارض مع مشروع إنشائي.
والفارق كبير بين شجرة صغيرة يمكن زراعتها بديلا ً لشجرة مُعمّرة صنعت، خلال عشرات السنين، كتلة خضراء وظلا ً وذاكرة للمكان. فزراعة عشر شتلات جديدة لا تعوّض فورا ً شجرة واحدة كبيرة؛ لأن الزمن نفسه جزء من قيمتها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: من يملك قرار إزالة الأشجار؟ وهل يخضع هذا القرار لدراسة بيئية وفنية مستقلة قبل تنفيذه؟ وهل يوجد حصر دقيق للأشجار التي ستزال، وأسباب إزالة كل منها، والبدائل التي تمت دراستها، وخطة واضحة للتعويض؟ ومن يراجع القرار ويحاسب صاحبه إذا ثبت أن الإزالة لم تكن ضرورية؟
القضية إذن ليست رفضا ً للتطوير، ولا مواجهة بين الطريق والشجرة .. المطلوب هو تطوير أكثر ذكاء ً يحافظ على الاثنين معا ً كلما أمكن. وإذا استحال ذلك في حالة محددة، فيجب أن يكون الاستثناء مسببا ً ومعلنا ً، وأن يعرف المواطن لماذا أزيلت الشجرة، ومن اتخذ القرار، وما البديل الذي سيعوضها.
كما أن المسئولية لا ينبغي أن تتوقف عند الجهة التنفيذية المحلية .. فهناك وزارات ومحافظات وأجهزة بيئية وتشريعات تحكم حماية الأشجار والمسطحات الخضراء، وهناك برلمان يمتلك أدوات الرقابة، وإعلام ومجتمع مدني وأحزاب سياسية من واجبها طرح القضية ومطالبة الجهات المختصة بالشفافية والمحاسبة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول إزالة الأشجار إلى ممارسة معتادة تسبق كل تطوير، ثم نحاول بعد ذلك تعويضها ببضع شتلات صغيرة أو أحواض تجميلية. فالمدينة التي تفقد أشجارها القديمة تفقد جزءا ً من قدرتها على التنفس، كما تفقد جزءا ً من ذاكرتها.
ولذلك فالمطلوب ليس وقف مشروعات التطوير، وإنما وضع قاعدة واضحة: لا تُقطع شجرة معمّرة إلا بعد إثبات الضرورة، واستنفاد بدائل الحفاظ عليها أو نقلها، وتحديد المسئول عن القرار، وإعلان خطة التعويض والمتابعة.
فحماية الشجرة ليست ترفا ً بيئيا ً، وإنما حماية لحق أجيال عاشت في ظلها، وأجيال قادمة من حقها أن تجد مدينة أكثر خضرة لا أقل. والتطوير الحقيقي لا يبدأ بإزالة ما يعترض المخطط، وإنما يبدأ بمخطط يعرف كيف يحافظ على ما يستحق البقاء.
