
بقلم: د. وجدي صادق
في قريةٍ ما، كان ثمة دكانٌ صغير يملكه رجلٌ يُدعى أبو “صيّاح”، إشتهر بعلوّ صوته وكثرة ادّعائه للفضيلة. وعلى الطرف المقابل، كانت أم “لهب”، إمرأة وحيدة تبيع الخبز، تعيش على سمعة نقيّة لا تشوبها شائبة. سنوات طويلة، لم تسمع القرية سوى تبادل الشتائم بين الطرفين؛ صراخٌ في العلن، وتشهيرٌ متواصل، حتى ألف الناس المشهد وظنّوا أن الخصومة أبدية لا فكاك منها. غير أنّ الغريب كان دائماً في التفاصيل التي لا تُرى: فـ دكان أبو “صيّاح” لا يُغلق ليلاً إلّا بعد أن تُغلق أم “لهب” باب بيتها، وما ينفد من بضائعها يظهر فجأةً في دكانه. بل إن خطواته كانت تُسمع قبيل الفجر قرب بابها، في صمت يناقض كل ما يُقال نهاراً.
وذات مساء، جلس أبو “صيّاح” يتباهى أمام رجال الحيّ، مُفرِطاً في إدّعاء العداء، فقاطعه رجلٌ مسنّ ظلّ صامتاً طويلاً، وقال ببرود الحكمة؛ «عجيب أمرك يا أبو “صيّاح”… تلعنها نهاراً، وتدخل من بابها ليلاً. أيّ حرب هذه التي تُدار تحت الأغطية؟». إحمرّ وجه أبو “صيّاح”، وضحك مرتبكاً، ثم قال: «دعونا نصرخ أمام الناس، فالصراخ أأمن من الحقيقة ما تسمى بالشررر..ر…». لم تمضِ أشهر حتى بدأت الوقائع تفرض نفسها، وظهرت النتائج التي لا يمكن إخفاؤها.
عندها، تبدّلت اللغة وبدأ بطن إم”لهب” يكبر يوماِ بعد يوم، فـ تحوّلت الشتائم إلى بيانات، والصراخ إلى مؤتمرات، والحرب إلى مواقف أخلاقية طارئة.
أعلن أبو “صيّاح” براءته، وطالب بإنهاء «الفضيحة»، لا لأن ما جرى كان خطأً في جوهره، بل لأن نتائجه خرجت إلى العلن.
وهكذا هو حال كثير من الأنظمة العربية في علاقتها مع الكيان العدو “الإسرائيلي”: عداءٌ معلَن، وخطابٌ ناريّ في العلن، يقابله تنسيقٌ خفيّ وعلاقاتٌ سرية من الأبواب الخلفية. تاريخٌ طويل من المساومات السرّية، تُدار في الظلّ، فيما تُرفع الشعارات في الضوء.
وحين تظهر «علامات الحمل السياسي»، يُسارعون إلى الإجهاض، لا دفاعاً عن المبدأ، بل خوفاً من إنكشاف المستور. إنها معادلة مكشوفة؛ يريدون أن يُقال عنهم إنهم أعداء، لا أن تُقال الحقيقة كاملة. والحقيقة، مهما طال إخفاؤها، لا بدّ أن تظهر.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
