ما وراء الضجيج.. ثلاث قراءات في صراعات النفوذ بالمنطقة (1-3)

5 مارس 2026آخر تحديث :
مصطفى زكريا
مصطفى زكريا

 

 

بقلم: لواء مصطفى زكريا

تحاول السلسلة الاقتراب من بعض التحولات التي تتشكل بهدوء في منطقتنا؛ بدءا ًمن الفضاء الرقمي حيث تُدار معارك التأثير وصناعة الروايات، مرورا ً بالحملات الإعلامية المتبادلة بين الدول، وصولا ً إلى التحولات الأعمق في موازين النفوذ في البحر الأحمر.

وتتكون السلسلة من ثلاثة مقالات مترابطة:

المنصات الرقمية ؛؛؛ حين تتحول ساحات التواصل إلى ميادين حرب
لماذا يتزايد الهجوم الإعلامي على الإمارات الآن؟
هل يتغير ميزان القوة في البحر الأحمر لصالح مصر؟

ثلاث قراءات متصلة تحاول فهم ما يحدث خلف الضجيج اليومي للأخبار.

………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

المنصات الرقمية.. حين تتحول ساحات التواصل إلى ميادين حرب

 

لم تعد الحروب في عالم اليوم تُخاض بالسلاح فقط.
فهناك معارك أخرى تُدار كل يوم أمام أعيننا على شاشات الهواتف؛ معارك تُستخدم فيها الكلمات والصور والتغريدات لصناعة الروايات والتأثير في العقول.

وقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي تدريجيا ً من فضاء للتعارف وتبادل الآراء إلى ساحة صراع مفتوحة تتداخل فيها السياسة بالإعلام، والمعلومة بالدعاية، والحقيقة بالرواية المصنوعة؛ فما كان يُنظر إليه في السابق باعتباره مساحة افتراضية للنقاش الحر أصبح اليوم أحد أخطر ميادين التأثير في الرأي العام، بل وربما في صناعة القرار ذاته.

في الماضي كانت الحروب تُخاض في ميادين القتال، وتُدار دبلوماسيا ً في غرف المفاوضات، وتُشرح وتُمرر للرأي العام عبر وسائل الإعلام التقليدية؛ أما اليوم فقد أضيف ميدان ثالث لا يقل خطورة عن الميدانين السابقين وهو ميدان المنصات الرقمية ؛ ففي هذا الفضاء الواسع يمكن لتغريدة واحدة أو مقطع فيديو قصير أن يشعل جدلا ً دوليا ً، أو يخلق أزمة سياسية، أو يغير اتجاهات الرأي العام في ساعات قليلة.

لقد أدركت الدول والمؤسسات الكبرى مبكراً أن السيطرة على الرواية لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض؛ فالرواية التي يصدقها الناس قد تكون أحيانا ً أكثر تأثيرا ً من الوقائع ذاتها .. ومن هنا بدأت تظهر ما يمكن تسميته بحروب السرديات، حيث تتنافس الأطراف المختلفة على تقديم تفسيرها الخاص للأحداث، مستخدمة في ذلك الجيوش الرقمية، والحسابات الموجهة، وحملات التضليل المنظمة.

ولم يعد من الغريب أن نجد حملات كاملة تُدار عبر آلاف الحسابات التي تعمل بتنسيق واحد، تنشر الرسالة نفسها بصيغ مختلفة، وتكررها حتى تبدو وكأنها حقيقة راسخة، وفي كثير من الأحيان لا يكون الهدف إقناع الجميع، بل مجرد زرع الشك، لأن الشك في زمن المعلومات المتدفقة قد يكون كافيا ً لإرباك العقول وإضعاف الثقة في الحقائق.

ومن أخطر ما أفرزته هذه الظاهرة أن الحدود بين الخبر والرأي، وبين التحليل والدعاية، أصبحت أكثر ضبابية. فالمعلومة قد تُقتطع من سياقها لتخدم رواية معينة، والتصريح قد يُنقل مبتوراً ليبدو وكأنه يحمل معنى مختلفا ً، والصورة قد تُستخدم خارج زمانها ومكانها لتدعم قصة لم تقع أصلًا.

ولعل المفارقة أن سرعة انتشار المعلومات، التي كان يُفترض أن تكون وسيلة لتعزيز المعرفة، أصبحت أحيانا ً أداة لانتشار التضليل؛ فكلما زادت سرعة تداول الخبر، قلت فرصة التحقق منه.
وفي ظل هذا الإيقاع المتسارع، قد تنتشر الرواية الخاطئة ملايين المرات قبل أن تظهر الحقيقة.

ولا يقتصر الأمر على الحسابات المجهولة أو الجهات غير الرسمية، بل إن شخصيات عامة وسياسيين وخبراء سابقين أصبحوا جزءا ً من هذا المشهد الرقمي، يطلقون تصريحات حادة أو تحليلات مثيرة للجدل، سرعان ما تتحول إلى مادة للصراع الإعلامي بين الأطراف المختلفة.

وهكذا أصبحت المنصات الرقمية أشبه بساحة معركة غير مرئية، لا تُستخدم فيها الدبابات ولا الطائرات، بل الكلمات والصور والمقاطع القصيرة .. ومع ذلك فإن تأثيرها قد يكون عميقاً، لأنها تستهدف العقول قبل أي شيء آخر.

غير أن المسؤولية في مواجهة هذه الظاهرة لا تقع على الدول والمؤسسات وحدها، بل تمتد أيضًا إلى المستخدم العادي. فكل إعادة نشر غير مدروسة قد تسهم في تضخيم معلومة مضللة، وكل مشاركة غير متحقق منها قد تصبح جزءا ً من سلسلة طويلة من التضليل غير المقصود.

إن الوعي الرقمي لم يعد رفاهية، بل أصبح ضرورة في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الدعاية؛ فالقارئ الواعي هو خط الدفاع الأول ضد التضليل، وهو القادر على التمييز بين الخبر الحقيقي والرواية المصنوعة.

وفي النهاية؛ قد لا نستطيع إيقاف هذا التحول الكبير في طبيعة الإعلام والتواصل، لكننا نستطيع على الأقل أن نتعامل معه بوعي أكبر، فالمنصات الرقمية ستظل مساحة مفتوحة للجميع، لكن الفرق الحقيقي سيظل دائما ً بين من يستخدمها للمعرفة، ومن يستخدمها لصناعة الوهم.

الاخبار العاجلة