
بقلم: د. وجدي صادق
وجدتُني… حين ضاقت بي الجهات، ألوذُ بوطنٍ يسكنني أكثر ممّا أسكنه. وجدتُني في ترابه نبضاً يشبه قلبي، وفي سمائه فسحةَ أملٍ كلّما حاول اليأس أن يمدّ ظلَّه في الروح. فالوطن ليس قطعة أرضٍ نمرّ فوقها عابرين، بل هو ذاكرةُ الطفولة، وملامح الوجوه التي أحببناها، وحكايات البيوت التي تعلّمنا عند عتباتها معنى الإنتماء. وحين تشتدّ العواصف، يُمتحَن الرجال بقدر ما يُمتحَن الوطن. هناك من يظلّ واقفاً كالسنديان، لا يساوم على شرف الأرض ولا يبدّل ولاءه، لأنّه يعرف أنّ للأوطان حرمةً لا تُشترى ولا تُباع. وهناك، في المقابل، من يبيعها عند أوّل سوقٍ للمنفعة، فيخلع عن نفسه آخر ما تبقّى من كرامة.
•الوطن ليس شعاراً يُرفع حين تهتف الجموع، ولا كلمةً تُقال في خطبةٍ عابرة؛ الوطن موقف. أن تحفظه في غيابه كما في حضوره، وأن تصونه في السرّ كما في العلن. أن تكون أميناً على ترابه وناسه وكرامته، لأنّ من خان أرضه خان نفسه قبل كلّ شيء.
•لذلك، سيبقى الوطن أكبر من كلّ من حاول المتاجرة به، وأبقى من كلّ من ظنّ أنّه قادر على بيعه. فالأرض تعرف أبناءها، والتاريخ لا ينسى، والكرامة لا تسكن إلّا في قلوب الذين يدركون أنّ للأوطان حرمةً… لا يبيعها إلّا الأنذال.
*كاتب المقال: إعلامي لبناني.
