
بقلم: لواء مصطفى زكريا
تقف إيران اليوم عند مفترق طرق استراتيجي نادر في تاريخها الحديث؛ فالتوترات المتصاعدة في المنطقة، والضغوط الاقتصادية المتواصلة، والاحتكاكات العسكرية غير المباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، جميعها جعلت موقع إيران في معادلة الشرق الأوسط موضع تساؤل كبير .. غير أن قراءة المشهد بواقعية تفرض علينا الابتعاد عن التوقعات القطعية، والاقتراب أكثر من منطق “نظرية الاحتمالات”، لأن ما يجري حول إيران لا يتجه إلى مسار واحد واضح، بل إلى عدة مسارات ممكنة تتنافس فيما بينها.
الاحتمال الأول يتمثل في استمرار حالة الاستنزاف دون حسم ؛ وهو السيناريو الأقرب إلى الواقع في المرحلة الحالية؛ حيث تتعرض إيران لضغوط متعددة، لكنها في الوقت نفسه ما زالت تمتلك أدوات الصمود. فالدولة الإيرانية ليست بنية هشة يمكن إسقاطها بسهولة، بل منظومة متشابكة من المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية، إضافة إلى شبكة نفوذ إقليمية ممتدة، وفي هذا السيناريو قد يستمر الصراع في شكل ضربات محدودة أو ضغوط اقتصادية، دون الوصول إلى حرب شاملة أو انهيار داخلي.
أما الاحتمال الثاني فهو الوصول إلى تسوية سياسية كبرى تعيد رسم العلاقة بين إيران والغرب ؛ فالتاريخ السياسي للمنطقة يُظهر أن الصراعات الطويلة غالبا ً ما تنتهي بتفاهمات مفاجئة بعد أن تتجاوز كلفة المواجهة حدودها المقبولة، وفي حال حدثت مثل هذه التسوية، فإن إيران قد تبقى لاعبا ً إقليميا ً مؤثرا ً، لكنها ستضطر إلى تعديل بعض سياساتها الإقليمية أو النووية في إطار ترتيبات جديدة للأمن الإقليمي.
الاحتمال الثالث يتمثل في تصعيد واسع قد يفتح أبواب مواجهة إقليمية أكبر ؛ ففي حال توسعت الضربات العسكرية أو دخلت أطراف أخرى إلى ساحة الصراع، قد تتحول المنطقة إلى مسرح اشتباك متعدد الجبهات يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. مثل هذا السيناريو لن يقتصر تأثيره على إيران وحدها، بل سيعيد رسم خريطة التوازنات في الشرق الأوسط بأكمله، وسيؤثر في أسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
أما الاحتمال الرابع وهو الأكثر دراماتيكية والأقل ترجيحا ً في المدى القريب، فيتمثل في حدوث تحولات داخلية عميقة داخل إيران نفسها سواء في شكل تغييرات سياسية كبرى أو اضطرابات داخلية واسعة ؛
مثل هذا السيناريو قد يعيد تشكيل بنية السلطة داخل الدولة الإيرانية، لكنه يبقى احتمالا ً معقدا ً نظرا ً لطبيعة الدولة الإيرانية وتركيبة مؤسساتها المتماسكة نسبيا ً.
غير أن الأهم من هذه الاحتمالات جميعا ً هو أن مستقبل إيران لن يحدد مصيرها وحدها، بل سيؤثر في التوازن الإقليمي برمته ؛
فإيران تمثل أحد الأعمدة الرئيسية في معادلة الشرق الأوسط، وأي تغير في موقعها سيترك أثرا ً مباشرا ً على العراق والخليج وتركيا وشرق المتوسط، بل وحتى على ممرات الطاقة والتجارة العالمية.
وبين هذه الاحتمالات المختلفة، تبدو الحقيقة الأوضح أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة إعادة ترتيب بطيئة لموازين القوة، مرحلة لا تُحسم بضربة واحدة ولا بقرار مفاجئ، بل تتشكل تدريجيا ً عبر تراكم الضغوط والتحركات السياسية والعسكرية ؛
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا يكون السؤال الأهم هو ماذا سيحدث غدا ً ؟
بل أي من هذه الاحتمالات سيصبح هو المسار الغالب عندما تنقشع سحابة الصراع.
